الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله ( ذلك لمن خشي العنت منكم )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ذلك " هذا الذي أبحت أيها الناس ، من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم طولا لنكاح المحصنات المؤمنات - أبحته لمن خشي العنت منكم ، دون غيره ممن لا يخشى العنت .

واختلف أهل التأويل في هذا الموضع .

فقال بعضهم : هو الزنا .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 205 ] 9110 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن إدريس قال : سمعت ليثا ، عن مجاهد قوله : لمن خشي العنت منكم ، قال : الزنا .

9111 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا هشيم ، عن العوام ، عمن حدثه ، عن ابن عباس أنه قال : ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا .

9112 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : العنت الزنا .

9113 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبيد بن يحيى قال : حدثنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : العنت الزنا .

9114 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير قال : ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلا ذلك لمن خشي العنت منكم .

9115 - حدثنا أبو سلمة قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير نحوه .

9116 - حدثني المثنى قال : حدثنا حبان بن موسى قال : أخبرنا ابن المبارك قال : أخبرنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية في قوله : ذلك لمن خشي العنت منكم ، قال : الزنا .

9117 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي حماد قال : حدثنا فضيل ، عن عطية العوفي مثله .

[ ص: 206 ] 9118 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : لمن خشي العنت منكم ، قال : الزنا .

119 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا عبيدة ، عن الشعبي وجويبر ، عن الضحاك قالا : : العنت الزنا .

9120 - حدثنا أحمد بن حازم قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية : ذلك لمن خشي العنت منكم ، قال : العنت الزنا .

وقال آخرون : معنى ذلك : العقوبة التي تعنته ، وهي الحد .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في قوله : ذلك لمن خشي العنت منكم ، ذلك لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه .

قال أبو جعفر : وذلك أن " العنت " هو ما ضر الرجل . يقال منه : " قد عنت فلان فهو يعنت عنتا " إذا أتى ما يضره في دين أو دنيا ، ومنه قول الله تبارك وتعالى : ( ودوا ما عنتم ) [ سورة آل عمران : 118 ] . ويقال : " قد أعنتني فلان فهو يعنتني " إذا نالني بمضرة . وقد قيل : " العنت " الهلاك .

فالذين وجهوا تأويل ذلك إلى الزنا ، قالوا : الزنا ضرر في الدين ، وهو من العنت .

والذين وجهوه إلى الإثم ، قالوا : الآثام كلها ضرر في الدين ، وهي من العنت .

والذين وجهوه إلى العقوبة التي تعنته في بدنه من الحد ، فإنهم قالوا : الحد مضرة على بدن المحدود في دنياه ، وهو من العنت .

[ ص: 207 ] وقد عم الله بقوله : لمن خشي العنت منكم - جميع معاني العنت . ويجمع جميع ذلك الزنا ، لأنه يوجب العقوبة على صاحبه في الدنيا بما يعنت بدنه ، ويكتسب به إثما ومضرة في دينه ودنياه . وقد اتفق أهل التأويل الذي هم أهله ، على أن ذلك معناه . فهو وإن كان في عينه لذة وقضاء شهوة ، فإنه بأدائه إلى العنت - منسوب إليه موصوف به ، إذ كان للعنت سببا .

التالي السابق


الخدمات العلمية