الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض " قال ابن عباس : لم يعجزوني أن آمر الأرض فتخسف بهم . " وما كان لهم من دون الله من أولياء " أي : لا ولي لهم ممن يعبدون يمنعهم مني . وقال ابن الأنباري : لما كانت عادة العرب جارية بقولهم : لا وزر لك مني ولا نفق ، يعنون بالوزر : الجبل ، والنفق : السرب ، وكلاهما يلجأ إليه الخائف ، أعلم الله تعالى أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه هربا ، ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من الأرض ويلجأ إليه . قال : وقوله : " من أولياء " يقتضي محذوفا ، تلخيصه : من أولياء يمنعونهم من عذاب الله ، فحذف هذا لشهرته .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " يضاعف لهم العذاب " يعني الرؤساء الصادين عن سبيل الله ، وذلك لإضلالهم أتباعهم واقتداء غيرهم بهم . وقال الزجاج : " لم يكونوا معجزين في الأرض " أي : في دار الدنيا ، ولا لهم ولي يمنع من انتقام الله ، ثم استأنف " يضاعف لهم العذاب " لعظم كفرهم بنبيه وبالبعث والنشور .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " ما كانوا يستطيعون السمع " فيمن عني بهذا قولان :

                                                                                                                                                                                                                                      أحدهما : أنهم الكفار . ثم في معناه ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم لم يقدروا [ ص: 91 ] على استماع الخير وإبصار الحق ، وفعل الطاعة ، لأن الله تعالى حال بينهم وبين ذلك ، هذا معنى قول ابن عباس ، ومقاتل . والثاني : أن المعنى : يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه ، وبما كانوا يبصرون حجج الله ولا يعتبرون بها فحذف الباء ، كما تقول العرب : لأجزينك ما عملت ، وبما عملت ذكره الفراء ، وأنشد ابن الأنباري في الاحتجاج له :


                                                                                                                                                                                                                                      نغالي اللحم للأضياف نيئا ونبذله إذا نضج القدور



                                                                                                                                                                                                                                      أراد : نغالي باللحم . والثالث : أنهم من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يستطيعون أن يتفهموا ما يقول ، قاله الزجاج .

                                                                                                                                                                                                                                      والقول الثاني : أنهم الأصنام ، فالمعنى : ما كان للآلهة سمع ولا بصر ، فلم تستطع لذلك السمع ، ولم تكن تبصر . فعلى هذا ، يرجع قوله : " ما كانوا " إلى أوليائهم ، وهي الأصنام ، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس أيضا .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية