الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب اللعان

[ ص: 450 ] كتاب اللعان

1770 - ( 1 ) - حديث ابن عباس : { أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : البينة أو حد في ظهرك } - الحديث - وفي آخره : فنزل جبريل بقوله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم }الآيات ، البخاري بهذا اللفظ سوى قوله : فنزل جبريل ، قال : فنزلت { والذين يرمون أزواجهم }فقرأ إلى أن بلغ { من الصادقين }فذكر الحديث بطوله ، وفي رواية أخرى : فنزل جبريل .

وفي الباب عن أنس رواه مسلم من طريق ابن سيرين : أن أنس بن مالك قال : { إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن السحماء ، وكان أخا البراء بن مالك لأمه ، وكان أول من لاعن }. الحديث . قوله : وهذا المرمي بالزنا ، سئل فأنكر ، ولم يحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا رواه البيهقي من طريق مقاتل بن حيان في تفسيره مرسلا أو معضلا في قوله : { والذين يرمون المحصنات }قال : { فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزوج والخليل والمرأة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويحك ما يقول ابن عمك ؟ فقال : أقسم بالله إنه ما رأى ما يقول ، وإنه لمن الكاذبين ، ثم لم يذكر أنه أحلفه }. قال البيهقي : فلعل الشافعي أخذه من هذا التفسير فإنه كان مسموعا له ، ولم أجده موصولا .

قوله : قال عمر لزان قدم ليقام عليه الحد ، وادعى أنه أول ما ابتلي به : إن الله تعالى كريم لا يهتك الستر أول مرة . هذا لم أره في حق الزاني ، إنما أخرجه البيهقي من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس أن عمر أتي بسارق ، فقال : [ ص: 451 ] والله ما سرقت قط قبلها : فقال : كذبت ما كان الله ليسلم عبدا عند أول ذنب ، فقطعه . وإسناده قوي .

1771 - ( 2 ) - حديث سهل بن سعد { : أن عويمر العجلاني قال : يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ، فيقتله فيقتلونه ، أم كيف يفعل ؟ قال : قد أنزل فيك وفي صاحبتك . فاذهب فائت بها قال سهل : فتلاعنا في المسجد ، وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم }متفق عليه من حديثه ، وفي آخره : قال : { فلما فرغا قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم }.

1772 - ( 3 ) - حديث : { العينان تزنيان ، واليدان تزنيان }. مسلم من حديث ابن عباس ، عن أبي هريرة مرفوعا قال : { كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، العينان زناهما النظر ، واليدان زناهما البطش } - الحديث - ورواه ابن حبان من حديث أبي هريرة أيضا بلفظ : { العينان تزنيان ، واللسان يزني ، واليدان تزنيان }. وأصله في صحيحي البخاري ومسلم أيضا من طريق ابن عباس : { ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا : أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه }وروى أحمد ، والطبراني من حديث مسروق ، [ ص: 452 ] عن عبد الله نحوه .

1773 - ( 4 ) - حديث : { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي لا ترد يد لامس ، قال : طلقها قال : إني أحبها ، قال : أمسكها }. الشافعي من طريق عبد الله بن عبيد بن عمير قال : جاء رجل فذكره مرسلا ، وأسنده النسائي من رواية عبد الله المذكور ، عن ابن عباس ، فذكره بمعناه ، واختلف في إسناده وإرساله ، قال النسائي المرسل أولى بالصواب .

وقال في الموصول : إنه ليس بثابت ، لكن رواه هو أيضا وأبو داود من رواية عكرمة ، عن ابن عباس نحوه ، وإسناده أصح ، وأطلق النووي عليه الصحة ، ولكن نقل ابن الجوزي عن أحمد بن حنبل أنه قال : لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء ، وليس له أصل . وتمسك بهذا ابن الجوزي فأورد الحديث في الموضوعات ، مع أنه أورده بإسناد صحيح ، وله طريق أخرى ، قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه معقل ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، فقال : نا محمد بن كثير ، عن معمر ، عن عبد الكريم ، حدثني أبو الزبير ، عن مولى بني هاشم قال : جاء رجل فذكره ، ورواه الثوري فسمى الرجل هشاما مولى بني هاشم ، وأخرجه الخلال والطبراني ، والبيهقي من وجه آخر ، عن عبيد الله بن عمرو ، فقال : عن عبد الكريم بن مالك ، عن أبي الزبير ، عن جابر ولفظه : لا تمنع يد لامس .

( تنبيه ) :

اختلف العلماء في معنى قوله : لا ترد يد لامس ، فقيل : معناه الفجور ، وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة ، وبهذا قال أبو عبيد ، والخلال ، والنسائي ، وابن الأعرابي ، والخطابي ، والغزالي ، والنووي ، وهو مقتضى استدلال الرافعي به هنا . وقيل : معناه التبذير ، وأنها لا تمنع أحدا طلب منها شيئا من مال زوجها ، وبهذا قال أحمد والأصمعي ، ومحمد بن ناصر ، ونقله عن علماء الإسلام [ ص: 453 ] ابن الجوزي ، وأنكر على من ذهب إلى الأول .

وقال بعض حذاق المتأخرين : قوله صلى الله عليه وسلم له : أمسكها : معناه أمسكها عن الزنا أو عن التبذير ، إما بمراقبتها ، أو بالاحتفاظ على المال أو بكثرة جماعها ، ورجح القاضي أبو الطيب الأول بأن السخاء مندوب إليه فلا يكون موجبا لقوله : " طلقها " ولأن التبذير إن كان من مالها فلها التصرف فيه ، وإن كان من ماله فعليه حفظه ، ولا يوجب شيئا من ذلك الأمر بطلاقها ، قيل : والظاهر أن قوله : لا ترد يد لامس ، أنها لا تمتنع ممن يمد يده ليتلذذ بلمسها ، ولو كان كنى به عن الجماع لعد قاذفا ، أو أن زوجها فهم من حالها أنها لا تمتنع ممن أراد منها الفاحشة ، لا أن ذلك وقع منها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث