الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


2007 كتاب الاعتكاف

ومثله في النووي.

( والاعتكاف ) في اللغة: ( الحبس والمكث واللزوم ).

وفي الشرع: ( المكث في المسجد، من شخص مخصوص، بصفة مخصوصة ).

ويسمى (جوارا ). ومنه حديث عائشة (رضي الله عنها ) في البخاري: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصغي إلي رأسه، وهو مجاور في المسجد، فأرجله وأنا حائض ).

(باب: متى يدخل من أراد الاعتكاف (معتكفه )

وأورده النووي في: ( كتاب الاعتكاف ).

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 68 - 69: ج 8 المطبعة المصرية

[عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه فضرب، [ ص: 164 ] أراد (الاعتكاف ) في العشر الأواخر من (رمضان )، فأمرت (زينب ) بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (الفجر )، نظر فإذا (الأخبية ). فقال: "آلبر تردن؟" فأمر بخبائه فقوض. وترك الاعتكاف في شهر (رمضان ) حتى اعتكف في العشر الأول من شوال. ]

التالي السابق


(الشرح)

( عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف، صلى الفجر ثم دخل معتكفه ).

احتج به من قال: يبدأ بالاعتكاف من أول النهار. وبه قال الأوزاعي، والثوري، والليث.

وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: يدخل فيه قبل غروب الشمس، إذا أراد اعتكاف (شهر )، أو اعتكاف ( عشر ).

وأولوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاته ( الصبح ). لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف. بل كان من قبل المغرب معتكفا، لابثا في جملة المسجد. فلما صلى الصبح انفرد.

ذكره النووي . وهذا التأويل فاسد. يخالف ظاهر الحديث كما في ( السيل الجرار ).

قال: ولا يخفى بعده، فإنها كانت عادته صلى الله عليه وسلم: أنه لا يخرج من منزله، إلا عند إقامة الصلاة. انتهى.

[ ص: 165 ] فالصحيح المختار: دخول المعتكف في ( معتكفه )، على الهدي النبوي، الذي جاء به هذا الحديث الصحيح الصريح.

قال في (سبل السلام ): فيه: دليل على أن أول وقت الاعتكاف بعد صلاة الفجر. وهو ظاهر في ذلك.

( وإنه أمر بخبائه فضرب ).

فيه: دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعا من المسجد، ينفرد فيه مدة اعتكافه. ما لم يضيق على الناس.

وإذا اتخذه، يكون في آخر المسجد ورحابه. لئلا يضيق على غيره.

وليكون أخلى له وأكمل في انفراده. قاله النووي .

( أراد الاعتكاف في العشر الأواخر، من "رمضان " ).

( فيه ): تأكد استحبابه في هذا العشر. قال النووي : وقد أجمع المسلمون على ذلك، وأنه ليس بواجب.

قال: ومذهب الشافعي، وأصحابه، وموافقيهم: أن الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف. بل يصح اعتكاف المفطر، ويصح اعتكاف (ساعة واحدة ).

وضابطه عند أصحابنا: مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة. هذا هو الصحيح.

[ ص: 166 ] قال: ولنا وجه: أنه يصح اعتكاف المار في المسجد، من غير لبث.

والمشهور الأول، فينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة، أو لشغل آخر ( من آخرة أو دنيا ): أن ينوي الاعتكاف، فيحسب له ويثاب عليه، ما لم يخرج من المسجد.

فإذا خرج ثم دخل، جدد نية أخرى.

وليس للاعتكاف ذكر مخصوص، ولا فعل آخر، سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف.

ولو تكلم بكلام دنيا، أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها، لم يبطل اعتكافه.

وقال مالك، وأبو حنيفة، والأكثرون: يشترط في الاعتكاف ( الصوم ). فلا يصح اعتكاف مفطر. واحتجوا بهذا الحديث.

واحتج الشافعي باعتكافه صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من شوال. رواه البخاري ومسلم. وبحديث عمر رضي الله عنه: ( قال: يا رسول الله ! إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية. فقال: " أوف بنذرك. والليل ليس محلا للصوم". ) فدل على أنه: ليس بشرط لصحة الاعتكاف.

[ ص: 167 ] وفي هذا الحديث: أن الاعتكاف، لا يصح إلا في المسجد.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وأزواجه: إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في ملازمته.

فلو جاز في البيت، لفعلوه ولو مرة، لاسيما النساء، لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر.

وهذا الذي ذكرناه من اختصاصه بالمسجد، وأنه لا يصح في غيره. هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وداود، والجمهور. سواء الرجل والمرأة.

وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ من بيتها لصلاتها.

قال: ولا يجوز للرجل في مسجد بيته.

وجوزه بعض أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي: للمرأة والرجل في مسجد بيتهما.

ثم قال الشافعي، ومالك وجمهورهم: يصح في كل مسجد.

وقال أحمد: يختص بمسجد، تقام الجماعة الراتبة فيه.

وقال أبو حنيفة: يختص بمسجد، تصلى فيه الصلوات كلها.

[ ص: 168 ] وقال الزهري، وآخرون: يختص بالجامع، الذي تقام فيه ( الجمعة ).

ونقلوا عن حذيفة بن اليمان، الصحابي، رضي الله عنه: اختصاصه بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى.

وأجمعوا على أنه: لا حد لأكثر الاعتكاف.

هذا آخر كلام النووي، رحمه الله تعالى.

قال شيخنا وبركتنا في ( السيل الجرار ): من ادعى أن الصوم شرط للاعتكاف، فالدليل عليه ؛ لأنه أثبت شرطا متنازعا فيه. والوقوف في مواقف المنع، والقيام في مقام عدم التسليم، يكفي لمن لم يقل بالشرطية.

ولم يصح في اشتراطه شيء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وما قيل: إنه مرفوع لم يصح. وما كان موقوفا على بعض الصحابة، فلا حجة فيه.

فإن تبرع من لم يقل بالشرطية بالدليل، فله أن يقول:

صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما: أنه اعتكف في غير ( رمضان ).

ولم يرد من وجه يصح العمل به، أنه صلى الله عليه وسلم صام أيام اعتكافه في شوال، ولا صح: أنه أمر (عمر ) بالصوم في نذره. انتهى.

[ ص: 169 ] ثم أجاب عن حديث عائشة، وابن عباس " في هذا الباب ": بما يطول ذكره.

ثم قال: ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا في المسجد. ولم يشرعه لأمته إلا في المساجد. وهذا القدر يكفي.

ومن ادعى: أنها توجد ماهية الاعتكاف في غير المسجد، فالدليل عليه.

قال: ولم يأتنا عن الشارع، في تقدير مدة الاعتكاف شيء يصلح للتمسك به.

واللبث في المسجد، والبقاء فيه: يصدق على اليوم وبعضه.

( بل وعلى الساعة )، إذا صحب ذلك نية الاعتكاف.

وأما حديث: " من اعتكف (فواق ناقة )، فكأنما أعتق نسمة من ولد إسماعيل ". فلم يثبت من وجه يصلح للاستدلال به.

قال في ( البدر المنير ): هذا حديث غريب، لا أعرفه، بعد البحث الشديد عنه. انتهى.

وقال في (وبل الغمام ): الحق الحقيق بالقبول ؛ أن الاعتكاف يكون ساعة فما فوقها.

بل حديث: " من اعتكف فواق ناقة "، يدل على أنه يكون: أقله لحظة مختطفة.

[ ص: 170 ] وهذا الحديث، وإن لم يكن صالحا للاحتجاج به، فالأصل عدم التقدير بوقت معين. والدليل على مدعي ذلك.

( فأمرت "زينب" بخبائها فضرب. وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم "بخبائه " فضرب. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الفجر )، نظر فإذا الأخبية. فقال: " آلبر" أي: الطاعة "تردن ؟ فأمر بخبائه فقوض ) أي: أزيل.

(وترك الاعتكاف في شهر (رمضان )، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال ).

قال عياض : قال صلى الله عليه وسلم هذا الكلام إنكارا لفعلهن. وقد كان صلى الله عليه وسلم أذن لبعضهن في ذلك، كما رواه البخاري.

قال: وسبب إنكاره: أنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القرب منه، لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهن: فكره ملازمتهن المسجد، مع أنه يجمع الناس. ويحضره أعراب ومنافقون. وهن محتاجات إلى الخروج والدخول، لما يعرض لهن: فيبتذلن بذلك.

[ ص: 171 ] أو لأنه رآهن عنده في المسجد، وهو في المسجد. فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه، وذهب المهم من مقصود الاعتكاف. وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا، وشبه ذلك.

أو لأنهن: ضيقن المسجد بأبنيتهن.

قال النووي : وفي هذا الحديث: دليل لصحة اعتكاف النساء، لأنه صلى الله عليه وسلم كان أذن لهن. وإنما منعهن بعد ذلك لعارض.

(وفيه ): أن للرجل منع زوجته من الاعتكاف بغير إذنه. وبه قال العلماء كافة.

فلو أذن لها، فهل له منعها بعد ذلك ؟

فيه خلاف للعلماء، فعند الشافعي، وأحمد، وداود: له منع زوجته ومملوكه، وإخراجهما من اعتكاف التطوع.

ومنعهما مالك.

وجوز أبو حنيفة (رحمه الله ): إخراج المملوك دون الزوجة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث