الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل لا يحل تكليفهم ما لا يقدرون عليه ولا تعذيبهم على أدائها ولا حبسهم وضربهم

6 - فصل

ولا يحل تكليفهم ما لا يقدرون عليه ، ولا تعذيبهم على أدائها ولا حبسهم وضربهم

قال أبو عبيد : ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه ، وعن هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين ، فقال هشام : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا " .

[ ص: 138 ] وقال الزهري عن عروة بن الزبير : إن عياض بن غنم رأى نبطا يشمسون في الجزية فقال لصاحبهم : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله تبارك وتعالى يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا " .

قال الزهري عن عروة بن الزبير : إن هشام بن حكيم هو الذي قال ذلك لعياض بن غنم .

قال نعيم بن حماد ، عن بقية بن الوليد ، عن صفوان بن عمرو ، عن شريح بن عبيد : إن هشام بن حكيم قال ذلك لعياض بن غنم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عياض لهشام : قد سمعت ما سمعت ورأيت ما رأيت أولم تسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده له علانية ، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به ، فإن قبل منه فذاك ، وإلا فقد أدى الذي عليه " .

[ ص: 139 ] قال : وحدثنا نعيم ، ثنا بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بمال كثير - أحسبه قال : من الجزية - فقال : إني لأظنكم قد أهلكتم الناس ، قالوا : لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا ، قال : بلا سوط ولا نوط ؟ قالوا : نعم ، قال : الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني .

قال : وحدثنا أبو مسهر ، ثنا سعيد بن عبد العزيز قال : قدم سعيد بن [ ص: 140 ] عامر بن حذيم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما أتاه علاه بالدرة ، فقال سعيد : سبق سيلك مطرك إن تعاقب نصبر ، وإن تعف نشكر وإن تستعتب نعتب ، فقال : ما على المسلم إلا هذا ، ما لك تبطئ بالخراج ؟ فقال : أمرتنا ألا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ، ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم ، فقال عمر رضي الله عنه : لا عزلتك ما حييت .

قال أبو عبيد : وإنما وجه التأخير إلى الغلة للرفق بهم ، ولم أسمع في استيداء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا .

قال : وثنا مروان بن معاوية الفزاري عن خلف مولى آل جعدة عن [ ص: 141 ] رجل من آل أبي المهاجر قال : استعمل علي بن أبي طالب رجلا على عكبراء فقال له على رءوس الملأ : لا تدعن لهم درهما من الخراج ، قال : وشدد عليه القول ، ثم قال : القني عند انتصاف النهار ، فأتاه فقال : إني كنت أمرتك بأمر وإني أتقدم إليك الآن ، فإن عصيتني نزعتك لا تبيعن [ ص: 142 ] لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة ، شتاء ولا صيفا ، وارفق بهم ، وافعل بهم وافعل بهم .

قال : وحدثني الفضل بن دكين عن سعيد بن سنان عن عنترة قال : كان علي يأخذ الجزية من كل ذي صنعة ، من صاحب الإبر إبرا ، ومن صاحب المسان مسان ، ومن صاحب الحبال حبالا ، ثم يدعو العرفاء فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول : خذوا هذا فاقتسموه ، فيقولون : لا حاجة لنا فيه ، فيقول : أخذتم خياره وتركتم علي شراره لتحملنه .

قال أبو عبيد : " وإنما توجه هذا من علي رضي الله عنه أنه إنما كان يأخذ منهم هذه الأمتعة بقيمتها من الدراهم التي عليهم من جزية رءوسهم ، ولا يحملهم على بيعها ثم يأخذ ذلك من الثمن إرادة الرفق بهم والتخفيف عليهم .

قال : ومثل هذا حديث معاذ رضي الله عنه حين قال باليمن : [ ص: 143 ] ائتوني بحميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة ، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة ، وكذلك فعل عمر رضي الله عنه حتى كان يأخذ الإبل في الجزية .

وإنما يراد بهذا كله الرفق بأهل الذمة ، وألا يباع عليهم من متاعهم شيء ولكن يؤخذ مما سهل عليهم بالقيمة ، ألا تسمع إلى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أو عدله من المعافر ؟ " فقد بين لك ذكر العدل أنه القيمة .

قال : وحدثنا محمد بن كثير ، عن أبي رجاء الخراساني عن جسر قال : شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن [ ص: 144 ] أرطاة قرئ علينا بالبصرة : أما بعد : فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام ، واختار الكفر عتيا وخسرانا مبينا ، فضع الجزية على من أطاق حملها وخل بينهم وبين عمارة الأرض ، فإن في ذلك صلاحا لمعاشر المسلمين وقوة على عدوهم ، ثم انظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب ، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق ؟ وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال : ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك ، قال : ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه .

قال : وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن محمد بن طلحة عن [ ص: 145 ] داود بن سليمان الجعفي قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن : سلام عليك ، أما بعد : فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام وسنن خبيثة سنتها عليهم عمال السوء ، وإن أقوم الدين العدل والإحسان ، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك أن توطنها الطاعة لله عز وجل ، فإنه لا قليل من الإثم ، وأمرتك ألا تطرق عليهم أرضهم ، وألا تحمل خرابا على عامر ، ولا عامرا على خراب ، ولا تأخذ من الخراب إلا ما يطيق ، ولا من العامر إلا وظيفة الخراج ، في رفق وتسكين لأهل الأرض ، وأمرتك ألا تأخذ في الخراج [ إلا وزن سبعة ليس لها آس ، ولا ] أجور الضرابين ، ولا إذابة الفضة ، ولا هدية النيروز والمهرجان ، ولا ثمن المصحف ، ولا أجور البيوت ، ولا دراهم النكاح ، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض ، فاتبع في ذلك أمري فقد وليتك في ذلك ما ولاني الله ، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه ، وانظر من أراد من الذرية الحج فعجل له مائة يتجهز بها والسلام عليك .

قال عبد الرحمن : قوله ( دراهم النكاح ) يريد به بغايا كان يؤخذ منهن الخراج وقوله ( الذرية ) يريد به من كان ليس من أهل الديوان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث