الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 69 ] بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير فاتحة الكتاب

بحول الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين

قال ابن عباس ، وموسى بن جعفر ، عن أبيه، وعلي بن الحسين ، وقتادة ، وأبو العالية ، ومحمد بن يحيى بن حبان : إنها مكية، ويؤيد هذا أن في سورة الحجر: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والحجر مكية بإجماع.

وفي حديث أبي بن كعب : إنها السبع المثاني، والسبع الطول نزلت بعد الحجر بمدد، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة ، وما حفظ أنه كانت قط في الإسلام صلاة بغير الحمد لله رب العالمين ، وروي عن عطاء بن يسار ، وسوادة بن زياد ، والزهري محمد بن مسلم ، وعبد الله بن عبيد بن عمير أن سورة الحمد مدنية.

وأما أسماؤها - فلا خلاف أنها يقال لها: فاتحة الكتاب، لأن موضعها يعطي ذلك، واختلف هل يقال لها: أم الكتاب؟ فكره الحسن بن أبي الحسن ذلك، فقال: أم [ ص: 70 ] الكتاب الحلال والحرام. قال الله تعالى: آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات وقال ابن عباس وغيره: يقال لها: أم الكتاب. وقال البخاري : سميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصحف، وبقراءتها في الصلاة. وفي تسميتها بأم الكتاب حديث رواه أبو هريرة ، واختلف هل يقال لها أم القرآن؟ فكره ذلك ابن سيرين ، وجوزه جمهور العلماء، قال يحيى بن يعمر : أم القرى مكة ، وأم خراسان مرو ، وأم القرآن سورة الحمد ، وقال الحسن بن أبي الحسن : اسمها أم القرآن، وأما المثاني فقيل: سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، وقيل: سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها.

وأما فضل هذه السورة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بن كعب : إنها لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها ويروى أنها تعدل ثلثي القرآن، وهذا العدل إما أن يكون في المعاني، وإما أن يكون تفضيلا من الله تعالى لا يعلل، وكذلك يجيء عدل قل هو الله أحد ، وعدل إذا زلزلت وغيرها.

[ ص: 71 ] وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: للحمد لله رب العالمين فضل ثلاثين حسنة على سائر الكلام ، وورد حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال: لا إله إلا الله كتبت له عشرون حسنة، ومن قال: الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة وهذا الحديث هو في الذي يقولها من المؤمنين مؤتجرا طالب ثواب، لأن قوله: ( الحمد لله ) في ضمنها التوحيد الذي هو معنى لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد وحمد، وفي قول: "لا إله إلا الله" توحيد فقط، فأما إذا أخذا بموضعهما من شرع الملة، ومحلهما من دفع الكفر والإشراك، فـ "لا إله إلا الله" أفضل، والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله .

"الحمد" معناه: الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر، وشكره حمد ما، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئا، فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثني بالصفات، وذهب الطبري إلى أن الشكر والحمد بمعنى واحد، وذلك غير مرضي . وحكي عن بعض الناس أنه قال: الشكر ثناء على الله بأفضاله وإنعامه، والحمد ثناء بأوصافه.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا أصح معنى من أنهما بمعنى واحد، واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك: الحمد لله شكرا، وهو في الحقيقة دليل على [ ص: 72 ] خلاف ما ذهب إليه، لأن قولك: شكرا; إنما خصصت به الحمد أنه على نعمة من النعم.

وأجمع السبعة، وجمهور الناس على رفع الدال من "الحمد لله"، وروي عن سفيان بن عيينة ، ورؤبة بن العجاج : "الحمد لله" بفتح الدال، وهذا على إضمار فعل، وروي عن الحسن بن أبي الحسن ، وزيد بن علي "الحمد لله" بكسر الدال على إتباع الأول الثاني، وروي عن ابن أبي عبلة "الحمد لله" بضم الدال واللام على إتباع الثاني والأول. قال الطبري : "الحمد لله" ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه، فكأنه قال: قولوا الحمد لله، وعلى هذا يجيء قولوا إياك. قال: وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه، كما قال الشاعر:


وأعلم أنني سأكون رمسا إذا سار النواعج لا يسير     فقال السائلون: لمن حفرتم؟
فقال المخبرون لهم: وزير

المعنى: "المحفور له وزير"، فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه، وهذا كثير.

وقرأت طائفة "رب" بالنصب، فقال بعضهم: هو نصب على المدح، وقال بعضهم: هو على النداء، وعليه يجيء إياك.

و"الرب" في اللغة المعبود، والسيد المالك، والقائم بالأمور، المصلح لما يفسد منها، والملك، تأتي اللفظة لهذه المعاني.

فمما جاء بمعنى "المعبود" قول الشاعر :


أرب يبول الثعلبان برأسه     لقد هان من بالت عليه الثعالب

[ ص: 73 ] ومما جاء بمعنى "السيد المالك" قولهم: رب العبيد والمماليك.

ومما جاء بمعنى "القائم بالأمور الرئيس فيها" قول لبيد :


وأهلكن يوما رب كندة وابنه     ورب معد بين خبت وعرعر

ومما جاء بمعنى "الملك" قول النابغة :


تخب إلى النعمان حتى تناله     فدى لك من رب طريفي وتالدي

ومن معنى "الإصلاح" قولهم: أديم مربوب. أي: مصلح: قال الشاعر:


كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت     سلاءها في أديم غير مربوب

ومن معنى "الملك" قول صفوان بن أمية لأخيه يوم حنين : " لأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن ، ومنه قول ابن عباس في شأن عبد الله بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان : وإن كان لا بد، لأن يربني رجل من بني عمي أحب [ ص: 74 ] إلي من أن يربني غيرهم . ذكره البخاري في تفسير سورة براءة. ومن ذلك قول الشاعر:


وكنت امرءا أفضت إليك ربابتي     وقبلك ربتني فضعت ربوب

وهذه الاستعمالات قد تتداخل، فالرب على الإطلاق الذي هو رب الأرباب على كل جهة هو الله تعالى.

و"العالمين" جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، يقال لجملته: عالم، ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك: عالم، وبحسب ذلك يجمع على العالمين، ومن حيث عالم الزمان متبدل في زمان آخر حسن جمعها. ولفظة "العالم" جمع لا واحد له من لفظه، وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده. كذا قال الزجاج .

وقد تقدم القول في ( الرحمن الرحيم ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية