الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " ودخل معه السجن فتيان " قال الزجاج : فيه دليل على أنه حبس ، وإن لم يذكر ذلك . و " فتيان " جائز أن يكونا حدثين أو شيخين ، لأنهم يسمون المملوك فتى . قال ابن الأنباري : إنما قال : " فتيان " لأنهما كانا مملوكين ، والعرب تسمي المملوك فتى ، شابا كان أو شيخا . قال المفسرون : عمر ملك مصر فملوه ، فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه ، فبلغه ذلك فحبسهما ، فكان يوسف قال لأهل السجن : إني أعبر الأحلام ، فقال أحد الفتيين : هلم فلنجرب هذا العبد العبراني .

                                                                                                                                                                                                                                      واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة ، أم لا ؟ على ثلاثة أقوال :

                                                                                                                                                                                                                                      أحدها : أنها كانت كذبا ، وإنما سألاه تجريبا ، قاله ابن مسعود ، والسدي . [ ص: 223 ] والثاني : أنها كانت صدقا ، قاله مجاهد ، وابن إسحاق . والثالث : أن الذي صلب منهما كان كاذبا ، وكان الآخر صادقا ، قاله أبو مجلز .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " قال أحدهما " يعني الساقي " إني أراني " أي : في النوم " أعصر خمرا " أي : عنبا . وفي تسمية العنب خمرا ثلاثة أقوال :

                                                                                                                                                                                                                                      أحدها : أنه سماه باسم ما يؤول إليه ، لأن المعنى لا يلتبس ، كما يقال : فلان يطبخ الآجر ويعمل الدبس ، وإنما يطبخ اللبن ويصنع التمر ، وهذا قول أكثر المفسرين . قال ابن الأنباري : وإنما كان كذلك ، لأن العرب توقع بالفرع ما هو واقع بالأصل ، كقولهم : فلان يطبخ آجرا .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني : أن الخمر في لغة أهل عمان اسم للعنب ، قاله الضحاك ، والزجاج . قال ابن القاسم : وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها .

                                                                                                                                                                                                                                      والثالث : أن المعنى : أعصر عنب خمر ، وأصل خمر ، وسبب خمر ، فحذف المضاف ، وخلفه المضاف إليه ، كقوله : واسأل القرية [يوسف :82] . قال أبو صالح عن ابن عباس : رأى يوسف ذات يوم الخباز والساقي مهمومين ، فقال : ما شأنكما ، قالا رأينا رؤيا ، قال : قصاها علي ، قال الساقي : إني رأيت كأني دخلت كرما فجنيت ثلاثة عناقيد عنب ، فعصرتهن في الكأس ، ثم أتيت به الملك فشربه ، وقال الخباز : رأيت أني خرجت من مطبخ الملك أحمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز ، فوقع طير على أعلاهن فأكل منها ، " نبئنا بتأويله " أي : أخبرنا بتفسيره . وفي قوله : " إنا نراك من المحسنين " خمسة أقوال :

                                                                                                                                                                                                                                      أحدها : أنه كان يعود المرضى ويداويهم ويعزي الحزين ، رواه مجاهد عن ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني : إنا نراك محسنا إن أنبأتنا بتأويله ، قاله ابن إسحاق .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 224 ] والثالث : إنا نراك من العالمين قد أحسنت العلم ، قاله الفراء . قال ابن الأنباري : فعلى هذا يكون مفعول الإحسان محذوفا ، كما حذف في قوله : وفيه يعصرون [يوسف :49] يعني العنب والسمسم . وإنما علموا أنه عالم ، لنشره العلم بينهم .

                                                                                                                                                                                                                                      والرابع : إنا نراك ممن يحسن التأويل ، ذكره الزجاج .

                                                                                                                                                                                                                                      والخامس : إنا نراك محسنا إلى نفسك بلزومك طاعة الله ، ذكره ابن الأنباري .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية