الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته

الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته

اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته ، وجملتها أن يكون عاقلا حسن الخلق غير فاسق ولا حريص على الدنيا .

أما العقل فهو رأس المال وهو الأصل فلا خير في صحبة الأحمق ، فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت ، وقد قيل : مقاطعة الأحمق قربان إلى الله .

وأما حسن الخلق فلا بد منه ، فإن من غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن وأطاع هواه فلا خير في صحبته .

وأما الفاسق المصر على فسقه فلا فائدة في صحبته ، بل مشاهدته تهون أمر المعصية على النفس وتبطل نفرة القلب عنها ، ولأن من لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصداقته بل يتغير بتغير الأغراض ، قال الله تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ) [ الكهف : 28 ] ، وقال تعالى : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) [ النجم : 29 ] ، وقال تعالى : ( واتبع سبيل من أناب إلي ) [ لقمان : 15 ] وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق .

وأوصى " علقمة " ابنه فقال : " يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن صحبته زانك ، وإن قعدت بك مؤونة مانك ، واصحب من إذا مددت يدك بخير مدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ، وإن رأى سيئة [ ص: 129 ] سدها . اصحب من إذا سألته أعطاك ، وإن سكت ابتداك ، وإن نزلت بك نازلة واساك ، اصحب من إذا قلت صدق قولك ، وإن حاولت أمرا آمرك ، وإن تنازعتما آثرك " . قال علي رضي الله عنه :


إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك     ومن إذا ريب زمان صدعك
شتت فيه شمله ليجمعك

وقال " أبو سليمان الداراني " رحمه الله : " لا تصحب إلا أحد رجلين : رجلا ترتفق به في أمر دنياك أو رجلا تزيد معه وتنتفع به في أمر آخرتك ، والاشتغال بغير هذين حمق كبير ، وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل ؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء ، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه ، فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص ، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا ، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا وتطلب صحبة العلماء والحكماء ، قال " لقمان " لابنه : يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن القلوب لتحيا بالحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث