الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حقيقة اختلاف السبعة الأحرف وفائدته

وأما حقيقة اختلاف هذه السبعة الأحرف المنصوص عليها من النبي - صلى الله عليه وسلم - وفائدته ، فإن الاختلاف المشار إليه في ذلك اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض ، فإن هذا محال أن يكون في كلام الله تعالى قال - تعالى - : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، وقد تدبرنا اختلاف القراءات كلها فوجدناها لا تخلو من ثلاثة أحوال : ( أحدها ) اختلاف اللفظ والمعنى واحد ، ( الثاني ) اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد ، ( الثالث ) اختلافهما جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء [ ص: 50 ] واحد ، بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد .

فأما الأول فكالاختلاف في ( الصراط و عليهم و يؤده و القدس و يحسب ) ونحو ذلك مما يطلق عليه أنه لغات فقط .

وأما الثاني فنحو ( مالك ، وملك ) في الفاتحة ; لأن المراد في القراءتين هو الله تعالى ; لأنه مالك يوم الدين وملكه وكذا ( يكذبون ، ويكذبون ) ; لأن المراد بهما هم المنافقون لأنهم يكذبون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ويكذبون في أخبارهم وكذا ( كيف ننشرها ) بالراء والزاي ; لأن المراد بهما هي العظام وذلك أن الله أنشرها أي : أحياها ، وأنشزها أي : رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت فضمن الله تعالى المعنيين في القراءتين .

وأما الثالث فنحو ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) بالتشديد والتخفيف ، وكذا ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) بفتح اللام ورفع الأخرى وبكسر الأولى وفتح الثانية ، وكذا ( للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ، وفتنوا ) بالتسمية والتجهيل ، وكذا قال : ( لقد علمت ) بضم التاء وفتحها ، وكذلك ما قرئ شاذا ( وهو يطعم ولا يطعم ) عكس القراءة المشهورة ، وكذلك ( يطعم ولا يطعم ) على التسمية فيهما ، فإن ذلك كله وإن اختلف لفظا ومعنى وامتنع اجتماعه في شيء واحد ، فإنه يجتمع من وجه آخر يمتنع فيه التضاد والتناقض . فأما وجه تشديد ( كذبوا ) فالمعنى وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم ، ووجه التخفيف : وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به ، فالظن في الأولى يقين ، والضمائر الثلاثة للرسل ، والظن في القراءة الثانية شك ، والضمائر الثلاثة للمرسل إليهم . وأما وجه فتح اللام الأولى ورفع الثانية من ( لتزول ) فهو أن يكون ( إن ) مخففة من الثقيلة ، أي : وإن مكرهم كان من الشدة بحيث تقتلع منه الجبال الراسيات من مواضعها ، وفي القراءة الثانية ( إن ) نافية ، أي : ما كان مكرهم وإن تعاظم وتفاقم ليزول منه أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ودين الإسلام ، ففي الأولى تكون الجبال حقيقة وفي [ ص: 51 ] الثانية مجازا .

وأما وجه من بعد ما فتنوا على التجهيل فهو أن الضمير يعود للذين هاجروا ، وفي التسمية يعود إلى الخاسرون . وأما وجه ضم تاء ( علمت ) ، فإنه أسند العلم إلى موسى حديثا منه لفرعون حيث قال : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، فقال موسى على نفسه : ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر ) ، فأخبر موسى - عليه السلام - عن نفسه بالعلم بذلك ، أي أن العالم ذلك ليس بمجنون ، وقراءة فتح التاء أنه أسند هذا العلم لفرعون مخاطبة من موسى له بذلك على وجه التقريع لشدة معاندته للحق بعد علمه ، وكذلك وجه قراءة الجماعة يطعم بالتسمية ، ولا يطعم على التجهيل أن الضمير في ( وهو ) يعود إلى الله تعالى ، أي : والله تعالى يرزق الخلق ولا يرزقه أحد ، والضمير في عكس هذه القراءة يعود إلى الولي ، أي : والولي المتخذ يرزق ولا يرزق أحدا ، والضمير في القراءة الثالثة إلى الله تعالى ، أي : والله يطعم من يشاء ولا يطعم من يشاء . فليس في شيء من القراءات تناف ولا تضاد ولا تناقض .

وكل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك فقد وجب قبوله ، ولم يسع أحدا من الأمة رده ولزم الإيمان به ، وإن كله منزل من عند الله ، إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا ، ولا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض ، وإلى ذلك أشار عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - بقوله : " لا تختلفوا في القرآن ولا تتنازعوا فيه ; فإنه لا يختلف ولا يتساقط ، ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة ، حدودها وقراءتها وأمر الله فيها واحد ، ولو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء ينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف ، ولكنه جامع ذلك كله ، ومن قرأ على قراءة فلا يدعها رغبة عنها ، فإنه من كفر بحرف منه كفر به كله " .

( قلت ) : وإلى ذلك أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال : لأحد المختلفين : " أحسنت " ، وفي الحديث الآخر : " أصبت " ، وفي الآخر : " هكذا أنزلت " . فصوب [ ص: 52 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - قراءة كل من المختلفين ، وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله ، وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء ، فإن اختلاف القراء كل حق وصواب نزل من عند الله وهو كلامه لا شك فيه واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي والحق في نفس الأمر فيه واحد ، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر نقطع بذلك ونؤمن به ، ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم ، إنما هو من حيث إنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به ، وملازمة له ، وميلا إليه ، لا غير ذلك . وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به ، فآثره على غيره ، وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به ، وقصد فيه ، وأخذ عنه ; فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء ، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد .

وأما فائدة اختلاف القراءات وتنوعها ، فإن في ذلك فوائد غير ما قدمناه من سبب التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة .

ومنها ما في ذلك من نهاية البلاغة ، وكمال الإعجاز وغاية الاختصار ، وجمال الإيجاز ، إذ كل قراءة بمنزلة الآية ، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات ، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل .

ومنها ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدلالة ، إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض ولا تخالف ، بل كله يصدق بعضه بعضا ، ويبين بعضه بعضا ، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد ، وما ذلك إلا آية بالغة ، وبرهان قاطع على صدق من جاء به صلى الله عليه وسلم .

ومنه سهولة حفظه وتيسير نقله على هذه الأمة ، إذ هو على هذه الصفة من البلاغة [ ص: 53 ] والوجازة ، فإنه من يحفظ كلمة ذات أوجه أسهل عليه وأقرب إلى فهمه وأدعى لقبوله من حفظه جملا من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات المختلفات ، لا سيما فيما كان خطه واحدا ، فإن ذلك أسهل حفظا وأيسر لفظا .

ومنها إعظام أجور هذه الأمة من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم في تتبع معاني ذلك واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ ، واستخراج كمين أسراره وخفي إشاراته ، وإنعامهم النظر وإمعانهم الكشف عن التوجه والتعليل والترجيح ، والتفصيل بقدر ما يبلغ غاية علمهم ، ويصل إليه نهاية فهمهم فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ، والأجر على قدر المشقة .

ومنها بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم ، من حيث تلقيهم كتاب ربهم هذا التلقي ، وإقبالهم عليه هذا الإقبال ، والبحث عن لفظة لفظة ، والكشف عن صيغة صيغة ، وبيان صوابه ، وبيان تصحيحه ، وإتقان تجويده ، حتى حموه من خلل التحريف ، وحفظوه من الطغيان والتطفيف ، فلم يهملوا تحريكا ولا تسكينا ، ولا تفخيما ولا ترقيقا ، حتى ضبطوا مقادير المدات وتفاوت الإمالات وميزوا بين الحروف بالصفات ، مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم ، ولا يوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم .

ومنها ما ادخره الله من المنقبة العظيمة ، والنعمة الجليلة الجسيمة لهذه الأمة الشريفة ، من إسنادها كتاب ربها ، واتصال هذا السبب الإلهي بسببها خصيصة الله تعالى هذه الأمة المحمدية ، وإعظاما لقدر أهل هذه الملة الحنيفية ، وكل قارئ يوصل حروفه بالنقل إلى أصله ، ويرفع ارتياب الملحد قطعا بوصله ، فلو لم يكن من الفوائد إلا هذه الفائدة الجليلة لكفت ، ولو لم يكن من الخصائص إلا هذه الخصيصة النبيلة لوفت .

ومنها ظهور سر الله في توليه حفظ كتابه العزيز وصيانة كلامه المنزل [ ص: 54 ] بأوفى البيان والتمييز ، فإن الله تعالى لم يخل عصرا من الأعصار ، ولو في قطر من الأقطار ، من إمام حجة قائم بنقل كتاب الله تعالى وإتقان حروفه ورواياته ، وتصحيح وجوهه وقراءاته ، يكون وجوده سببا لوجود هذا السبب القويم على ممر الدهور ، وبقاؤه دليلا على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث