الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


حقوق الأخوة والصحبة :

اعلم أن لأخيك عليك حقا في المال ، وفي الإعانة بالنفس ، وفي اللسان والقلب ، وفي العفو ، وفي الدعاء ، وفي الوفاء والإخلاص ، وفي التخفيف ، وفي ترك التكلف والتكليف وذلك يجعلها ثماني جمل .

الحق الأول في المال :

روي أن " مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى " وذلك لأنهما يتعاونان على غرض واحد ، وكذلك الأخوان إنما تتم أخوتهما إذا ترافقا في مقصد واحد فهما من وجه كالشخص الواحد ، وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء ، والمشاركة في المآل والحال ، وارتفاع الاختصاص والاستئثار .

والمواساة بالمال مع الأخوة على ثلاث مراتب :

أدناها : أن تنزله منزلة خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك ، فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال ، فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة .

الثانية : أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال .

والثالثة : هي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك ، وهذه رتبة الصديقين ومنتهى رتبة المتحابين ، ومنتهى هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضا .

فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن ، وإنما [ ص: 130 ] الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل والدين ، فقد قال " ميمون بن مهران " : " من رضي من الإخوان بترك الإفضال فليؤاخ أهل القبور " . وأما الدرجة الأولى فليست أيضا مرضية عند ذوي الدين ؛ روي أن " عتبة الغلام " رحمه الله جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال : " أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف " ، فقال : " خذ ألفين " ، فأعرض عنه وقال : " آثرت الدنيا على الله ، أما استحييت أن تدعي الأخوة في الله وتقول هذا " . وأما الرتبة العليا فهي التي وصف الله تعالى المؤمنين بها في قوله : ( وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) [ الشورى : 38 ] أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله عن بعض ، وكان منهم من لا يصحب من قال : نعلي ؛ لأنه أضافه إلى نفسه ، ومنهم من كان يعتق أمته إذا حدثته بمجيء أخيه وأخذه من ماله حاجته في غيبته سرورا بما فعل ، وقال " زين العابدين علي بن الحسين " رضي الله عنهما لرجل : " هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذن ؟ " قال : لا ، قال : فلستم بإخوان ، وقال " ابن عمر " رضي الله عنهما : " أهدي لرجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأس شاة فقال : " أخي فلان أحوج مني إليه " ، فبعث به إليه ، فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة . وقال " أبو سليمان الداراني " : " لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له " . ولما كان الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء قال " علي " رضي الله عنه : " لعشرون درهما أعطيها أخي في الله أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين " . وفي الصفاء في الأخوة الانبساط في بيوت الإخوان كما كان عليه كثير من السلف ، وقد قال تعالى : ( أو صديقكم ) [ النور : 61 ] . وقال : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) [ النور : 61 ] إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض إليه التصرف كما يريد ، وكان يتحرج عن الأكل بحكم التقوى حتى أنزل الله هذه الآية وأذن لهم في الانبساط في طعام الإخوان والأصدقاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث