الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إقرار المريض

جزء التالي صفحة
السابق

1380 - مسألة : وإقرار المريض في مرض موته ، وفي مرض أفاق منه لوارث ولغير وارث - نافذ من رأس المال كإقرار الصحيح ولا فرق .

روينا من طريق عبد الرزاق نا بعض أصحابنا عن الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال : إذا أقر المريض في مرضه بدين لرجل فإنه جائز - فعم ابن عمر ولم يخص .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا ابن علية عن ليث عن طاوس قال : إذا أقر لوارث بدين جاز - يعني في المرض - .

وبه إلى ابن علية عن عامر الأحول قال : سئل الحسن عنه ؟ فقال : أحملها إياه ولا أتحملها عنه .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا زيد بن الحباب نا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء فيمن أقر لوارث بدين ، قال : جائز .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا عمر بن أيوب الموصلي عن جعفر - هو ابن برقان - عن ميمون هو ابن مهران - إذا أقر بدين في مرضه ، فأرى أن يجوز عليه ; لأنه لو أقر به - وهو صحيح - جاز وأصدق ما يكون عند موته - وهذا هو قول الشافعي ، وأبي سليمان ، وأصحابهما .

وقالت طائفة : لا يجوز إقرار المريض أصلا ، كما روينا عن ابن أبي شيبة نا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال : لا يجوز إقرار المريض بالدين ، وهو قول ياسين الزيات إلا أنه قال : هو من الثلث . وقسمت طائفة - : كما روينا عن شريح أنه كان يجيز اعتراف المريض عند موته بالدين لغير الوارث ، ولا يجيزه للوارث إلا ببينة - وهو قول إبراهيم ، وابن أذينة - صح ذلك عنهما . ورويناه أيضا عن الحكم ، والشعبي - وهو قول أبي حنيفة - إلا أن دين الصحة عنده مقدم على دين المرض . [ ص: 107 ] واتفقوا على أن إقرار الصحيح للوارث ولغير الوارث بالدين جائز من رأس المال - كان له ولد أو لم يكن - .

وقال مالك ، وأبو حنيفة : إن أقر المريض لوارث فأفاق من مرضه فهو لازم له من رأس ماله .

واختلف عن مالك في ذلك إن مات من ذلك المرض فرواية ابن القاسم عنه : أنه لا يجوز ذلك الإقرار - وروى أبو قرة عن مالك : لا يجوز إلا في الشيء اليسير الذي يرى أنه لا يؤثر به لتفاهته .

وروي عن مالك أيضا : أنه إن أقر لوارث بإربه لم يجز إقراره له ، فإن أقر لوارث عاق جاز إقراره له كالأجنبي .

وقال في إقراره لزوجته بدين أو مهر : فإنه إن كان له ولد من غيرها ولم يعرف له انقطاع إلى الزوجة ، ولا ميل إليها فإقراره لها جائز من رأس المال ، فإن عرف له ميل إليها - وكان بينه وبين ولده من غيرها تفاقم - لم يجز إقراره لها .

قال : وليس سائر الورثة في ذلك كالزوجة ; لأنه لا يتهم في الزوجة إذا لم يكن له إليها ميل أن يصرف ماله عن ولده إليها ، قال : فإن ورثه بنون أو إخوة لم يجز إقراره لبعضهم دون بعض في مرضه ، فإن لم يترك إلا ابنة ، وعصبة ، فأقر لبعض العصبة جاز ذلك .

وقال : ولا يجوز إقراره لصديقه الملاطف إذا ورثه أبواه أو عصبته ، فإن ورثه ولد أو ولد ولد : جاز إقراره له .

قال أبو محمد : هذه أقوال مبنية - بلا خلاف - على الظنون الزائغة وعلى التهمة الفاسدة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث } .

وقال الله تعالى : { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } .

وكل هذه الأقوال لا تحفظ عن أحد قبله .

ولا يخلو إقرار المريض عندهم إذا اتهموه فيه من أن يكون عندهم هبة أو يكون وصية - : [ ص: 108 ] فإن كان هبة ، فالهبة عندهم لبعض الورثة دون بعض جائزة من رأس المال وما جاء قط فرق بين هبة مريض ولا هبة صحيح .

وإن كان وصية : فوصية الصحيح ، والمريض ، سواء لا تجوز إلا من الثلث - فظهر أن تفريقهم فاسد .

فإن ذكروا حديث عتق الستة الأعبد ، وإقراع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ، فأعتق اثنين وأرق أربعة ، فليس هذا من الإقرار في شيء أصلا - والإقرار إنما هو إخبار بحق ذكره - وليس عطية أصلا ، ولا وصية - وحديث الستة الأعبد سنذكره إن شاء الله تعالى في " العتق " بإسناده مبينا وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث