الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يجتنبه من اللباس

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 5 ] باب ما يجتنبه من اللباس

1879 - ( عن ابن عمر قال : { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم ؟ قال لا يلبس المحرم القميص ، ولا العمامة ، ولا البرنس ، ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس ، ولا زعفران ، ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين . } رواه الجماعة ، وفي رواية لأحمد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر وذكر معناه ، وفي رواية للدارقطني أن رجلا نادى في المسجد ماذا يترك المحرم من الثياب )

التالي السابق


؟ قوله : ( ما يلبس المحرم ؟ قال لا يلبس ) . . . إلخ قال النووي : قال العلماء هذا الجواب من بديع الكلام ; لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به ، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر فقال : لا يلبس كذا أي ويلبس ما سواه قال البيضاوي : سئل عما يلبس فأجاب بما ليس يلبس ليدل بالإلزام من طريق المفهوم على ما يجوز وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج إلى بيانه ; إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب وكان اللائق السؤال عما لا يلبس ، وقال غيره : هذا شبه الأسلوب الحكيم ويقرب من قوله تعالى { يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم } إلخ . فعدل عن جنس المنفق وهو المسئول عنه إلى جنس المنفق عليه لأنه الأهم . قال ابن دقيق العيد : يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل به المقصود كيف كان ولو بتغيير أو زيادة ولا يشترط المطابقة انتهى . وهذا كله مبني على الرواية التي فيها السؤال عن اللبس

وأما على رواية الدارقطني المذكورة فليس من الأسلوب الحكيم وقد رواها كذلك أبو عوانة قال في الفتح وهي شاذة وأخرجه أحمد وأبو عوانة [ ص: 6 ] وابن حبان في صحيحيهما بلفظ : ( { أن رجلا قال يا رسول الله ما يجتنب المحرم من الثياب ) ؟ } وأخرجه أيضا أحمد بلفظ : ما يترك وقد أجمعوا على أن هذا مختص بالرجل فلا يلحق به المرأة . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ذلك وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران ، أو الورس وسيأتي الكلام على ذلك وقوله لا يلبس بالرفع على الخبر الذي في معنى النهي .

وروي بالجزم على النهي قال عياض : أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبس المحرم وقد نبه بالقميص على كل مخيط وبالعمائم والبرانس على غيره وبالخفاف على كل ساتر قوله : ( ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ) الورس بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة نبت أصفر طيب الرائحة يصبغ به .

قال ابن العربي : ليس الورس من الطيب ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملايمة الشم ، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب ، وظاهر قوله : مسه ، تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولكنه لا بد عند الجمهور من أن يكون للمصبوغ رائحة فإن ذهبت جاز لبسه خلافا لمالك قوله : ( { إلا أن لا يجد نعلين } ) في لفظ للبخاري زيادة حسنة بها يرتبط ذكر النعلين بما قبلهما وهي " وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين ، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين " وفيه دليل على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور وعن بعض الشافعية جوازه ، والمراد بالوجدان القدرة على التحصيل .

قوله : ( فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ) هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم وقد تقدم الخلاف في ذلك وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين . وعن الحنفية تجب ، وتعقب بأنها لو كانت واجبة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة وتأخير البيان عنه لا يجوز واستدل به على أن القطع شرط لجواز لبس الخفين خلافا للمشهور عن أحمد فإنه أجاز لبسهما من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس الآتي ، وأجاب عنه الجمهور بأن حمل المطلق على المقيد واجب وهو من القائلين به وقد تقدم التنبيه على هذا في باب ما يصنع من أراد الإحرام ويأتي تمام الكلام عليه في شرح حديث ابن عباس



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث