الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة

جزء التالي صفحة
السابق

وقوله - عز وجل -: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ؛ والصلاة في اللغة على ضربين ؛ أحدهما الركوع والسجود؛ والآخر الرحمة والثناء والدعاء؛ فصلاة الناس على الميت إنما معناها الدعاء؛ والثناء على الله صلاة؛ والصلاة من الله - عز وجل - على أنبيائه؛ وعباده؛ معناها الرحمة لهم؛ والثناء عليهم؛ وصلاتنا الركوع والسجود؛ كما وصفنا؛ والدعاء صلاة؛ قال الأعشى:


عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا



ويروى: " مثل الذي صليت " ؛ فمن قال: " عليك مثل الذي صليت " ؛ فمعناه [ ص: 232 ] أنه يأمرها بأن تدعو له مثل الذي دعا لها؛ أي: تعيد الدعاء له؛ ومن روى: " عليك مثل الذي صليت " ؛ فهو رد عليها؛ كأنه قال: " عليك مثل دعائك؛ أن ينالك من الخير مثل الذي أردت لي بهذه؛ ودعوت به لي " ؛ وقال الشاعر:


صلى على يحيى وأشياعه ...     رب كريم وشفيع مطاع



المعنى: عليه الرحمة من الله؛ والثناء الجميل؛ وأصل هذا كله عندي من اللزوم؛ يقال: " صلى " ؛ و " أصلى " ؛ و " اصطلى " ؛ إذا لزم؛ ومن هذا ما يصلى في النار؛ أي أنه يلزم؛ وقال أهل اللغة في الصلاة: هي من الصلوين؛ وهما مكتنفا ذنب الناقة؛ وأول موصل الفخذ من الإنسان؛ وكأنهما في الحقيقة مكتنف العصعص؛ والأصل عندي القول الأول؛ ألا ترى أن الاسم للصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب؛ وأصل الصيام الثبوت على الإمساك عن الطعام؟ وكذلك الصلاة إنما هي لزوم ما فرض الله؛ والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه؛ وأما المصلي الذي يأتي في أثر السابق من الخيل فهو مسمى من الصلوين؛ لا محالة؛ وهما مكتنفا ذنب الفرس؛ فكأنه يأتي مع ذلك المكان؛ قال الشاعر في الصيام الذي هو ثبوت على القيام:

خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما

وقوله (تعالى): وإنا إليه راجعون ؛ [ ص: 233 ] الأكثرون في قوله: " إنا لله " ؛ تفخيم الألف ولزوم الفتح؛ وقد قيل - وهو كثير في كلام العرب -: " إنا لله " ؛ بإمالة الألف إلى الكسر؛ وكان ذلك في هذا الحرف بكثرة الاستعمال؛ وزعم بعض النحويين أن النون كسرت؛ ولم يفهم ما قاله القوم؛ إنما الألف ممالة إلى الكسرة؛ وزعم أن هذا مثل قولهم: " الحمد لله " ؛ فهذا صواب؛ أعني قولهم: " إنا لله " ؛ بالكسر.

وقولهم: " الحمد لله " ؛ من أعظم الخطإ؛ فكيف يكون ما هو صواب بإجماع كالخطإ؟!

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث