الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصـل : في ذكر استنادهم في دينهم إلى أصحاب المجامع الذي كفر بعضهم بعضا ولعن بعضهم بعضا وتلقيهم أصول دينهم عنهم .

ونحن نذكر الأمر كيف ابتدأ ، وتوسط ، وانتهى ، حتى كأنك تراه عيانا . كان الله قد بشر بالمسيح على لسان أنبيائه ، من لدن موسى إلى زمن داود ومن بعده من الأنبياء ، وأكثر الأنبياء تبشيرا به داود ، وكانت اليهود تنتظره وتصدق به قبل مبعثه ، فلما بعث كفروا به بغيا وحسدا وشردوه في البلاد وطردوه وحبسوه ، وهموا بقتله مرارا إلى أن أجمعوا على القبض عليه ، وعلى قتله فصانه الله تعالى ، وأنقذه من أيديهم ، ولم يهنه بأيديهم ، وشبه لهم أنهم صلبوه ، ولم يصلبوه ، كما قال تعالى : وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما .

وقد اختلفوا في معنى قوله : ولكن شبه لهم ، فقيل المعنى : ولكن شبه لهم للذين صلبوه ، بأن ألقي شبهه على غيره فصلبوا الشبه .

وقيل المعنى : ولكن شبه لهم للنصارى ، أي حصلت لهم الشبهة في أمره [ ص: 540 ] وليس لهم علم بأنه ما قتل ولا صلب ، ولكن لما قال أعداؤه : إنهم قتلوه وصلبوه واتفق رفعه من الأرض وقعت الشبهة في أمرهم وصدقهم النصارى في صلبه لتتم الشناعة عليهم .

وكيف كان ، فالمسيح صلوات الله وسلامه ، لم يقتل ولم يصلب يقينا لا شك فيه ، ثم تفرق الحواريون في البلاد بعد رفعه على دينه ومنهاجه يدعون الأمم من بني إسرائيل إلى توحيد الله ودينه والإيمان بعبده ورسوله ومسيحه ، فدخل كثير من الناس في دينه ما بين ظاهر ومستور : ظاهر مشهور ومختف مستور .

وأعداء الله اليهود لعنهم الله في غاية الشدة والأذى لأصحابه وأتباعه .

التالي السابق


الخدمات العلمية