الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يتيمم به

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان ما يتيمم به فقد اختلف فيه ، قال أبو حنيفة ومحمد : يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض وعن أبي يوسف روايتان : في رواية بالتراب والرمل ، وفي رواية لا يجوز إلا بالتراب خاصة وهو قوله الآخر ، ذكره القدوري وبه أخذ الشافعي ، والكلام فيه يرجع إلى أن الصعيد المذكور في الآية ما هو ؟ فقال أبو حنيفة ومحمد : هو وجه الأرض وقال أبو يوسف : هو التراب المنبت واحتج بقول ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر الصعيد بالتراب الخالص ، وهو مقلد في هذا الباب ; ولأنه ذكر الصعيد الطيب ، والصعيد الطيب هو الذي يصلح للنبات وذلك هو التراب دون السبخة ونحوها ، ( ولهما ) أن الصعيد مشتق من الصعود وهو العلو ، قال الأصمعي : فعيل بمعنى فاعل ، وهو الصاعد .

وكذا قال ابن الأعرابي : إنه اسم لما تصاعد ، حتى قيل للقبر صعيد لعلوه وارتفاعه وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب بل يعم جميع أنواع الأرض ، فكان التخصيص ببعض الأنواع تقييدا لمطلق الكتاب ، وذلك لا يجوز بخبر الواحد فكيف بقول الصحابي ، والدليل على أن الصعيد لا يختص ببعض الأنواع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { عليكم بالأرض } من غير فصل ، وقال { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا } واسم الأرض يتناول جميع أنواعها ، ثم قال { : أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت } .

وربما تدركه الصلاة في الرمل ، وما لا يصلح للإنبات فلا بد وأن يكون بسبيل من التيمم به والصلاة معه بظاهر الحديث ، ( وأما ) قوله سماه طيبا فنعم لكن الطيب يستعمل بمعنى الطاهر وهو الأليق ههنا ; لأنه شرع مطهرا ، والتطهير لا يقع إلا بالطاهر مع أن معنى الطهارة صار مرادا بالإجماع ، حتى لا يجوز التيمم بالصعيد النجس فخرج غيره من أن يكون مرادا ، المشترك لا عموم له ، ثم لا بد من معرفة جنس الأرض ، فكل ما يحترق بالنار فيصير رمادا كالحطب والحشيش ونحوهما ، أو ما ينطبع ويلين كالحديد والصفر والنحاس والزجاج ، وعين الذهب والفضة ونحوها فليس من جنس الأرض ، وما كان بخلاف ذلك فهو من جنسها ، ثم اختلف أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما ، فقال أبو حنيفة : يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض ، التزق بيده شيء أو لا .

وقال محمد : لا يجوز إلا إذا التزق بيده شيء من أجزائه ، فالأصل عنده أنه لا بد من استعمال جزء من الصعيد ، ولا يكون ذلك إلا بأن يلتزق بيده شيء ، ( وعند ) أبي حنيفة هذا ليس بشرط ، وإنما الشرط : مس وجه الأرض باليدين وإمرارهما على العضوين .

وإذا عرف هذا فعلى قول أبي حنيفة يجوز التيمم بالجص والنورة [ ص: 54 ] والزرنيخ والطين الأحمر والأسود والأبيض ، والكحل والحجر الأملس والحائط المطين والمجصص والملح الجبلي دون المائي والمرداسنج المعدني والآجر والخزف المتخذ من طين خالص ، والياقوت والفيروزج والزمرد والأرض الندية والطين الرطب ، .

( وعند ) محمد إن التزق بيده شيء منها بأن كان عليها غبار أو كان مدقوقا يجوز ، وإلا فلا ، وجه قول محمد أن المأمور به استعمال الصعيد ، وذلك بأن يلتزق بيده شيء منه ، فأما ضرب اليد على ما له صلابة وملاسة من غير استعمال جزء منه ، فضرب من السفه ، ولأبي حنيفة أن المأمور به هو التيمم بالصعيد مطلقا من غير شرط الالتزاق ، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل .

وقوله : " الاستعمال شرط " ممنوع ; لأن ذلك يؤدي إلى التغيير الذي هو شبيه المثلة ، وعلامة أهل النار ولهذا أمر بنفض اليدين بل الشرط إمساس اليد المضروبة على وجه الأرض على الوجه ، واليدين تعبدا غير معقول المعنى لحكمة استأثر الله تعالى بعلمها ، ولا يجوز التيمم بالرماد بالإجماع ; لأنه من أجزاء الخشب ، وكذا باللآلئ سواء كانت مدقوقة أو لا ; لأنها ليست من أجزاء الأرض بل هي متولدة من الحيوان .

ويجوز التيمم بالغبار بأن ضرب يده على ثوب أو لبد أو صفة سرج فارتفع غبارا ، وكان على الذهب أو الفضة أو على الحنطة أو الشعير أو نحوها غبار فتيمم به أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف لا يجزيه ، وبعض المشايخ قالوا إذا لم يقدر على الصعيد يجوز عنده والصحيح أنه لا يجوز في الحالين .

وروي عنه أنه قال وليس عندي من الصعيد ، وهذا وجه قوله : أن المأمور به التيمم بالصعيد وهو اسم للتراب الخالص ، والغبار ليس بتراب خالص بل هو تراب من وجه دون وجه ، فلا يجوز به التيمم ، ( ولهما ) أنه جزء من أجزاء الأرض إلا أنه لطيف فيجوز التيمم به ، كما يجوز بالكثيف بل أولى .

وقد روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان بالجابية فمطروا فلم يجدوا ماء يتوضئون به ولا صعيدا يتيممون به ، فقال ابن عمر : لينفض كل واحد منكم ثوبه أو صفة سرجه ، وليتيمم وليصل ، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعا ، ولو كان المسافر في طين وردغة لا يجد ماء ولا صعيدا ، وليس في ثوبه وسرجه غبار لطخ ثوبه أو بعض جسده بالطين ، فإذا جف تيمم به ، ولا ينبغي أن يتيمم بالطين ما لم يخف ذهاب الوقت ; لأن فيه تلطيخ الوجه من غير ضرورة فيصير بمعنى المثلة .

وإن كان لو تيمم به أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد ; لأن الطين من أجزاء الأرض .

وما فيه من الماء مستهلك ، وهو يلتزق باليد فإن خاف ذهاب الوقت تيمم وصلى عندهما ، وعلى قياس قول أبي يوسف يصلي بغير تيمم بالإيماء ، ثم يعيد إذا قدر على الماء أو التراب كما لمحبوس في المخرج إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا على ما ذكرنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث