الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : لا اختلاف بين العلماء أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان لما روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال : قلت يا رسول الله رفعت ليلة القدر مع الأنبياء أم هي باقية إلى يوم القيامة ؟ قال : " هي باقية " قلت : هي في رمضان أو في غيره ؟ قال : " في رمضان " قال قلت : هي في العشر الأول أو الأوسط أو الأخير قال : " هي في الأواخر " وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " التمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها في كل وتر " وروي عن زر بن حبيش قال قلت لأبي بن كعب : إن ابن مسعود يقول : من يقم الحول يراها فقال : رحم الله أبا عبد الرحمن ، قد علم أنها في رمضان ، ولكن أحب أن لا يتكل الناس على عمل رمضان ، ثم اختلفوا في موضعها من العشر فحكي عن أبي بن كعب ، وعبد الله بن عباس أنها في ليلة سبع وعشرين ، أما أبي فكان يقسم بالله إنها في ليلة سبع وعشرين فقيل : وما آية ذلك ؟ قال : ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس تصبح لا شعاع لها ، وقد راعيت ذلك فوجدته في صبيحة سبع وعشرين وأما ابن عباس فإنه استدل بأن اعتبر كلمات السورة فوجدها ثلاثين كلمة بعدد ليالي الشهر ، ثم وجد الإشارة بقوله سلام هي [ القدر : 5 ] ، على رأس السابع والعشرين كلمة فعلم أن ليلة القدر في مثلها من الشهر ، وحكي عن آخرين أنها في أوسط العشر وهي ليلة خمس وعشرين ، تعلقا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في أوسط العشر فالتمسوها فيه " وحكي عن آخرين أنها في ليلة أربع وعشرين ، لما روي أن الأعرابي رآها على راحلته في ليلة أربع وعشرين ولرواية واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر [ ص: 484 ] رمضان وأنزل الزبور على داود في اثني عشر من شهر رمضان ، وأنزل الإنجيل على عيسى في ثماني عشرة من شهر رمضان ، وأنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم في أربع وعشرين من شهر رمضان " قالوا : وإنما نزل في ليلة القدر فدل أنها في أربع وعشرين .

                                                                                                                                            قال الشافعي الذي يشبه أن تكون في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رأيت هذه الليلة وخرجت لأعلمكم ، فتلاحا رجلان فأنسيتها ، ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين " قال أبو سعيد : ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه وأنفه أثر الماء والطين في صبيحة إحدى وعشرين قال أبو سعيد : وكان المسجد على عرش فوكف فأخذ الشافعي بهذه الرواية ، لأنها أصح ، وأوضح وإنما قال : أو ثلاث وعشرين لجواز الاشتباه على أبي سعيد من الواحد إلى الثلاث ، وذلك مأمون فيما زاد ولم يقطع الشافعي بذلك ، بل جوزها في جميع ليالي العشر وبخاصة في كل وتر ، لما روي عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين ، وليلة ثلاث وعشرين ، وليلة خمس وعشرين ، وليلة سبع وعشرين ، وليلة تسع وعشرين .

                                                                                                                                            قال بعض الناس : يجوز أن يكون الله تعالى يجعل في كل عام في ليلة من العشر حتى لا يكون زمانها معروفا ليقع الجد في طلبها ، وترك الاتكال عليها ثقة بأن الله تعالى يجيب الدعاء فيها فيكون الناس على جد وحذر ، ولعمري أن لهذا القول وجه ، فلو قال رجل لامرأته : أنت طالق في ليلة القدر ، طلقت في أول ليلة تسع وعشرين

                                                                                                                                            لأنها اليقين ، ويستحب لمن رأى ليلة القدر أن يكتمها ، ويدعو بإخلاص نية وصحة يقين بما أوجب من دين ودنيا ، ويكون أكثر دعائه لدينه ، وآخرته فقد روي عن عائشة أنها قالت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رأيت ليلة القدر بماذا أدعو فقال : " تسألي الله العافية في الدنيا والآخرة " .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية