الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الباب الخامس في الشك في الطلاق

                                                                                                                                                                        إذا شك ، هل طلق ؟ لم يحكم بوقوعه ، وكذا لو علق الطلاق على صفة وشك في حصولها ، كقوله : إن كان هذا الطائر غرابا ، فأنت طالق ، وشك في كونه غرابا ، أو قال : إن كان غرابا فزينب طالق ، وإن كان حمامة ، فعمرة طالق ، وشك هل كان غرابا أم حمامة أم غيرهما فلا يحكم بالطلاق . ولو تيقن أصل الطلاق ، وشك في عدده ، أخذ بالأقل ، ويستحب الأخذ بالاحتياط ، فإن شك في أصل الطلاق ، راجعها ليتيقن الحل ، وإن زهد فيها ، طلقها لتحل لغيره يقينا ، وإن شك في أنه طلق ثلاثا أم اثنتين ؟ لم ينكحها حتى تنكح زوجا غيره ، وإن شك هل طلق ثلاثا أم لم يطلق شيئا ؟ طلقها ثلاثا .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        تحته زينب وعمرة ، فقال : إن كان هذا الطائر غرابا ، فزينب طالق ، وإلا فعمرة طالق ، وأشكل حاله ، طلقت إحداهما ، وعليه اعتزالهما جميعا حتى يتبين الحال ، [ ص: 100 ] وعليه البحث والبيان . ولو قال : إن كان غرابا فامرأتي طالق ، فقال رجل آخر : إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق ، لم يحكم بوقوع الطلاق على واحد منهما .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : إن كان هذا الطائر غرابا ، فعبدي حر ، وقال آخر : إن لم يكن غرابا ، فعبدي حر ، وأشكل ، فلكل واحد منهما التصرف في عبده ، فإن ملك أحدهما عبد الآخر بشراء أو غيره ، واجتمع عنده العبدان ، منع التصرف فيهما ويؤمر بتعيين العتق في أحدهما ، كما لو كانا في ملكه وعلق التعليقين ، وعليه البحث عن طريق البيان ، وفي وجه : إنما يمتنع التصرف في الذي اشتراه ، فلا يتصرف فيه حتى يحصل البيان ، ولا يمتنع التصرف في الأول .

                                                                                                                                                                        قلت : هذان الوجهان نقلهما الإمام وآخرون ، ورجحوا الأول ، وبه قطع المتولي ، لكن قطع الشيخ أبو حامد وسائر العراقيين ، أو جماهيرهم ، بأن العتق يتعين في العبد المشترى ، ويحكم بعتقه إذا تم تملكه ظاهرا ، ولكن الأول أفقه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو باع أحدهما عبده ، ثم اشترى عبد صاحبه ، قال في " البسيط " : لم أره مسطورا ، والقياس أن ينفذ تصرفه فيه ، لأن بيع الأول لواقعة انقضت ، وتصرفه في الثاني واقعة أخرى ، كما لو صلى إلى جهتين باجتهادين .

                                                                                                                                                                        قلت : أما على طريقة العراقيين التي نقلتها ، فيعتق عليه الثاني بلا شك ، وأما على الطريقة الأخرى ، فيحتمل ما قاله في " البسيط " ، ويحتمل بقاء الحجر في الثاني حتى يتبين الحال ، وهو قريب من الخلاف فيما إذا اشتبه إناءان [ ص: 101 ] فانصب أحدهما ، هل يجتهد في الثاني ، أم يأخذ بطهارته ، أم يعرض عنه ، والأقيس بقاء الحجر احتياطا للعتق ، ولأن الأموال وغراماتها أشد من القبلة وسائر العبادات ، ولهذا لا يعذر الناسي والجاهل في الغرامات ، ويعذر في كثير من العبادات ، ويؤيد ما ذكرته أن إقدامه على بيع عبده كالمصرح بأنه لم يعتق ، وأن الذي عتق هو عبد الآخر ، وقد سبق أنه لو صرح بذلك ، عتق عليه عبد صاحبه إذا ملكه قطعا ، وقد ذكر الغزالي في " الوسيط " : احتمالين ، أحدهما : ما ذكره في " البسيط " . والثاني : خلافه وهو يؤيد ما قلته . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        هذا كله إذا لم يصدر منه غير التعليق السابق ، فإن قال للآخر : حنثت في يمينك ، فقال : لم أحنث ، ثم ملك عبده ، حكم عليه بعتقه قطعا لإقراره بحريته ، ولا رجوع له بالثمن إن كان اشتراه . ولو صدر هذان التعليقان من شريكين في عبد ، فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى في " كتاب العتق " .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : أنت طالق بعدد كل شعرة على جسد إبليس ، قال إسماعيل البوشنجي : قياس مذهبنا : أنه لا يقع طلاق أصلا ، لأنا لا ندري أعليه شعر أم لا ؟ والأصل العدم ، وعن بعض أصحاب أبي حنيفة وقوع طلقة .

                                                                                                                                                                        قلت : القياس وقوع طلقة ، وليس هذا تعليقا على صفة ، فيقال : شككنا فيها بل هو تنجيز طلاق ، وربط لعدده بشيء شككنا فيه ، فنوقع أصل الطلاق ، ونلغي العدد ، فإن الواحدة ليست بعدد ، لأن أقل العدد اثنان ، فالمختار وقوع طلقة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        [ ص: 102 ] فصل

                                                                                                                                                                        طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم نسيها ، حرم عليه الاستمتاع بكل منهما حتى يتذكر ، فإن صدقناه في النسيان ، فلا مطالبة بالبيان ، وإن كذبناه وبادرت واحدة وقالت : أنا المطلقة ، لم يقنع منه في الجواب بقوله : نسيت ، أو لا أدري ، وإن كان قوله محتملا ، بل يطالب بيمين جازمة أنه لم يطلقها ، فإن نكل ، حلفت وقضي باليمين المردودة .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال لزوجته وأجنبية : إحداكما طالق ، وقال : نويت الأجنبية ، قبل قوله بيمينه على الصحيح المنصوص في " الإملاء " ، وبه قطع الجمهور ، وقيل : تطلق زوجته ، قال البغوي في " الفتاوى " : لو قال : لم أنو بقلبي واحدة ، طلقت امرأته ، وإنما ينصرف عنها بالنية ، ولو حضرتا ، فقالت زوجته : طلقني ، فقال : طلقتك ، ثم قال : أردت الأجنبية ، لم يقبل ، ذكره البغوي ، وأمته مع زوجته ، كالأجنبية مع الزوجة .

                                                                                                                                                                        ولو كان معها رجل أو دابة ، فقال : أردت الرجل ، أو الدابة ، لم يقبل . ولو كان اسم زوجته زينب ، فقال : زينب طالق ، ثم قال : أردت جارتي زينب ، فثلاثة أوجه ، الصحيح الذي عليه الجمهور : أنه لا يقبل ، فتطلق زوجته ظاهرا ويدين ، وقيل : يصدق بيمينه كالصورة السابقة ، وهذا اختيار القاضي أبي الطيب الطبري وغيره ، والثالث ، قاله إسماعيل البوشنجي : إن قال : زينب طالق ، ثم قال : أردت الأجنبية ، قبل ، وإن قال : طلقت زينب ، لم يقبل ، وهذا ضعيف . ولو نكح امرأة نكاحا صحيحا ، وأخرى نكاحا فاسدا ، فقال لهما : إحداكما طالق ، وقال : أردت فاسدة النكاح ، فيمكن أن يقال : إن قبلنا التفسير بالأجنبية ، فهذه أولى ، وإلا فوجهان .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية