الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل العمل في أيام التشريق

جزء التالي صفحة
السابق

926 [ ص: 109 ] 11 - باب فضل العمل في أيام التشريق

وقال ابن عباس " واذكروا الله في أيام معلومات " أيام العشر. والأيام المعدودات: أيام التشريق.

وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، ويكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

وكبر محمد بن علي خلف النافلة.

التالي السابق


بوب على فضل أيام التشريق والعمل فيها.

وذكر في الباب أيام التشريق وأيام العشر، وفضلهما جميعا.

وذكر ابن عباس : أن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي أيام العشر، والأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي أيام التشريق.

وفي كل منهما اختلاف بين العلماء:

فأما المعلومات:

فقد روي عن ابن عباس ، أنها أيام عشر ذي الحجة، كما حكاه عنه البخاري .

وروي - أيضا- عن ابن عمر ، وعن عطاء والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة .

وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد - في المشهور عنه.

وقالت طائفة: الأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، روي عن ابن [ ص: 110 ] عمر وغيره من السلف. وقالوا: هي أيام الذبح.

وروي - أيضا- عن علي وابن عباس ، وعن عطاء الخراساني والنخعي وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد - في رواية عنه.

ومن قال: أيام الذبح أربعة، قال: هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

وقد روي عن أبي موسى الأشعري ، أنه قال - في خطبته يوم النحر-: هذا يوم الحج الأكبر، وهذه الأيام المعلومات التسعة التي ذكر الله في القرآن، لا يرد فيهن الدعاء، هذا يوم الحج الأكبر، وما بعده من الثلاثة اللائي ذكر الله الأيام المعدودات، لا يرد فيهن الدعاء.

وهؤلاء جعلوا ذكر الله فيها هو ذكره على الذبائح.

وروي عن محمد بن كعب ، أن المعلومات أيام التشريق خاصة.

والقول الأول أصح; فإن الله سبحانه وتعالى قال - بعد ذكره في هذه الأيام المعلومات: ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق

والتفث: هو ما يصيب الحاج من الشعث والغبار.

وقضاؤه: إكماله.

وذلك يحصل يوم النحر بالتحلل فيه من الإحرام، فقد جعل ذلك بعد ذكره في الأيام المعلومات، فدل على أن الأيام المعلومات قبل يوم النحر الذي يقضى فيه التفث ويطوف فيه بالبيت العتيق .

فلو كانت الأيام المعلومات أيام الذبح لكان الذكر فيها بعد قضاء التفث ووفاء النذور والتطوف بالبيت العتيق ، والقرآن يدل على أن الذكر فيها قبل ذلك.

[ ص: 111 ] وأما قوله تعالى: على ما رزقهم من بهيمة الأنعام

فإما أن يقال: إن ذكره على الذبائح يحصل في يوم النحر، وهو أفضل أوقات الذبح، وهو آخر العشر.

وإما أن يقال: إن ذكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، ليس هو ذكره على الذبائح، بل ذكره في أيام العشر كلها، شكرا على نعمة رزقه لنا من بهيمة الأنعام; فإن لله تعالى علينا فيها نعما كثيرة دنيوية ودينية.

وقد عدد بعض الدنيوية في سورة النحل، وتختص عشر ذي الحجة منها بحمل أثقال الحاج، وإيصالهم إلى قضاء مناسكهم والانتفاع بركوبها ودرها ونسلها وأصوافها وأشعارها.

وأما الدينية فكثيرة، مثل: إيجاب الهدي وإشعاره وتقليده، وغالبا يكون ذلك في أيام العشر أو بعضها، وذبحه في آخر العشر، والتقرب به إلى الله، والأكل من لحمه، وإطعام القانع والمعتر.

فلذلك شرع ذكر الله في أيام العشر شكرا على هذه النعم كلها، كما صرح به في قوله تعالى: كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم كما أمر بالتكبير عند قضاء صيام رمضان، وإكمال العدة، شكرا على ما هدانا إليه من الصيام والقيام المقتضي لمغفرة الذنوب السابقة.

وأما الأيام المعدودات:

فالجمهور على أنها أيام التشريق، وروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما.

واستدل ابن عمر بقوله: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه وإنما يكون التعجيل في ثاني أيام التشريق.

قال الإمام أحمد : ما أحسن ما قال ابن عمر .

[ ص: 112 ] وقد روي عن ابن عباس وعطاء، أنها أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة بعده.

وفي إسناد المروي عن ابن عباس ضعف.

وأما ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة ، فهو من رواية سلام أبي المنذر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران، لا يخرجان إلا لذلك.

خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في " كتاب الشافي" وأبو بكر المروزي القاضي في " كتاب العيدين".

ورواه عفان : نا سلام أبو المنذر - فذكره، ولفظه: كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر، فيكبران، ويكبر الناس معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك.

وروى جعفر الفريابي ، من رواية يزيد بن أبي زياد ، قال: رأيت سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدا - أو اثنين من هؤلاء الثلاثة- ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: " الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر الله أكبر ولله الحمد".

وروى المروزي ، عن ميمون بن مهران ، قال: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها، ويقول: إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير.

وهو مذهب أحمد ، ونص على أنه يجهر به.

وقال الشافعي : يكبر عند رؤية الأضاحي.

وكأنه أدخله في التكبير على بهيمة الأنعام المذكور في القرآن، وهو وإن كان داخلا فيه، إلا أنه لا يختص به، بل هو أعم من ذلك كما تقدم.

[ ص: 113 ] وهذا على أصل الشافعي وأحمد : في أن الأيام المعلومات هي أيام العشر، كما سبق.

فأما من قال: هي أيام الذبح، فمنهم من لم يستحب التكبير في أيام العشر، وحكي عن مالك وأبي حنيفة .

ومن الناس من بالغ، وعده من البدع، ولم يبلغه ما في ذلك من السنة.

وروى شعبة ، قال: سألت الحكم وحمادا عن التكبير أيام العشر؟ فقالا: لا; محدث.

خرجه المروزي .

وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيه من هذه الأيام العشر; فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد.

ويروى نحوه من حديث ابن عباس - مرفوعا، وفيه: فأكثروا فيهن التهليل والتكبير; فإنها أيام تهليل وتكبير وذكر الله عز وجل.

وأما ما ذكره عن محمد بن علي في التكبير خلف النافلة، فهو في أيام التشريق.

ومراده: أن التكبير يشرع في أيام العشر وأيام التشريق جميعا، وسيأتي ذكر التكبير في أيام التشريق فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث