الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع في البحث عن الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية

الباب الرابع

في البحث عن الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية

قد عرفت أن هذا البحث ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

الأول : الأسماء الدالة على الوجود وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أطبق الأكثرون على أنه يجوز تسمية الله تعالى باسم الشيء ونقل عن جهم بن صفوان أن ذلك غير جائز ، أما حجة الجمهور فوجوه :

الحجة الأولى : قوله تعالى ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) [ الأنعام : 19 ] وهذا يدل على أنه يجوز تسمية الله باسم الشيء فإن قيل : لو كان الكلام مقصورا على قوله " قل الله " لكان دليلكم حسنا لكن ليس الأمر كذلك بل المذكور هو قوله تعالى : ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) [ الأنعام : 19 ] وهذا كلام مستقل بنفسه ، ولا تعلق له بما قبله ، وحينئذ لا يلزم أن يكون الله تعالى مسمى باسم الشيء ، قلنا : لما قال " أي شيء أكبر شهادة " ثم قال : " قل الله شهيد بيني وبينكم " وجب أن تكون هذه الجملة جارية مجرى الجواب عن قوله " أي شيء أكبر شهادة " وحينئذ يلزم المقصود .

الحجة الثانية : قوله تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [ القصص : 88 ] والمراد بوجهه ذاته ولو لم تكن ذاته شيئا لما جاز استثناؤه عن قوله : " كل شيء هالك " وذلك يدل على أن الله تعالى مسمى بالشيء .

الحجة الثالثة : قوله عليه السلام في خبر عمران بن الحصين : " كان الله ولم يكن شيء غيره " وهذا يدل على أن اسم الشيء يقع على الله تعالى .

الحجة الرابعة : روى عبد الله الأنصاري في الكتاب الذي سماه بالفاروق عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من شيء أغير من الله عز وجل " .

[ ص: 102 ] الحجة الخامسة : أن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وذات الله تعالى كذلك ، فيكون شيئا .

واحتج جهم بوجوه :

الحجة الأولى : قوله تعالى : ( الله خالق كل شيء ) [ الرعد : 16 ] وكذلك قوله ( وهو على كل شيء قدير ) [ المائدة : 120 ] فهذا يقتضي أن يكون كل شيء مخلوقا ومقدورا ، والله تعالى ليس بمخلوق ولا مقدور ، ينتج أن الله سبحانه وتعالى ليس بشيء . فإن قالوا إن قوله تعالى : " الله خالق كل شيء " وقوله : " وهو على كل شيء قدير " عام دخله التخصيص ، قلنا الجواب عنه من وجهين :

الأول : أن التخصيص خلاف الأصل ، والدلائل اللفظية يكفي في تقريرها هذا القدر .

الثاني أن الأصل في جواز التخصيص هو أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل ، فلهذا السبب جوزوا دخول التخصيص في العموميات ، إلا أن إجراء الأكثر مجرى الكل إنما يجوز في الصورة التي يكون الخارج عن الحكم حقيرا قليل القدر فيجعل وجوده كعدمه ، ويحكم على الباقي بحكم الكل ، فثبت أن التخصيص إنما يجوز في الصورة التي تكون حقيرة ساقطة الدرجة .

إذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يكون الله تعالى مسمى بالشيء كان أعظم الأشياء وأجلها هو الله تعالى ، فامتنع أن يحصل فيه جواز التخصيص ، فوجب القول بأن ادعاء هذا التخصيص محال .

الحجة الثانية : قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) [ الشورى : 11 ] حكم الله تعالى بأن مثل مثله ليس بشيء ، ولا شك أن كل شيء مثل لمثل نفسه ، وثبت بهذه الآية أن مثل مثله ليس بشيء ينتج أنه تعالى غير مسمى بالشيء ، فإن قالوا إن الكاف زائدة ، قلنا هذا الكلام معناه أن هذا الحرف من كلام الله تعالى لغو وعبث وباطل ، ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل ، ومتى قلنا إن هذا الحرف ليس بباطل صارت الحجة التي ذكرناها في غاية القوة والكمال .

الحجة الثالثة : لفظ الشيء لا يفيد صفة من صفات الجلال والعظمة والمدح والثناء ، وأسماء الله تعالى يجب كونها كذلك ينتج أن لفظ الشيء ليس اسما لله تعالى .

أما قولنا إن اسم الشيء لا يفيد المدح والجلال فظاهر ، وذلك لأن المفهوم من لفظ الشيء قدر مشترك بين الذرة الحقيرة وبين أشرف الأشياء ، وإذا كان كذلك كان المفهوم من لفظ الشيء حاصلا في أخس الأشياء وذلك يدل على أن اسم الشيء لا يفيد صفة المدح والجلال ، وأما قولنا : أن أسماء الله يجب أن تكون دالة على صفة المدح والجلال ، فالدليل عليه قوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) [ الأعراف : 180 ] والاستدلال بالآية أن يكون الأسماء حسنة لا معنى له إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة ، فإذا لم يدل الاسم على هذا المعنى لم يكن الاسم حسنا ثم إنه تعالى أمرنا بأن ندعوه بهذه الأسماء ثم قال بعد ذلك : ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) [ الأعراف : 180 ] وهذا كالتنبيه على أن من دعاه بغير تلك الأسماء الحسنة فقد ألحد في أسماء الله ، فتصير هذه الآية دالة دلالة قوية على أنه ليس للعبد أن يدعو الله إلا بالأسماء الحسنى الدالة على صفات الجلال والمدح ، وإذا ثبت هاتان المقدمتان فقد حصل المطلوب .

الحجة الرابعة : أنه لم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة أنه خاطب الله تعالى بقوله يا شيء ، وكيف يقال ذلك وهذا اللفظ في غاية الحقارة ؟ فكيف يجوز للعبد خطاب الله بهذا الاسم ؟ بل نقل [ ص: 103 ] عنهم أنهم كانوا يقولون : يا منشئ الأشياء ، يا منشئ الأرض والسماء .

واعلم أن من الناس من يظن أن هذا البحث واقع في المعنى ، وهذا في غاية البعد ، فإنه لا نزاع في أن الله تعالى موجود وذات وحقيقة ، إنما النزاع في أنه هل يجوز إطلاق هذا اللفظ عليه ، فهذا نزاع في مجرد اللفظ لا في المعنى ، ولا يجري بسببه تكفير ولا تفسيق ، فليكن الإنسان عالما بهذه الدقيقة حتى لا يقع في الغلط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث