الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          1512 مسألة :

                                                                                                                                                                                          ولا يحل بيع الماء بوجه من الوجوه لا في ساقية ولا من نهر أو من عين ولا من بئر ، ولا في بئر ، ولا في صهريج ، ولا مجموعا في قربة ، ولا في إناء ، لكن من باع حصته من عنصر الماء ، ومن جزء مسمى منها ، أو باع البئر كلها أو جزءا مسمى منها ، أو باع الساقية كلها أو الجزء المسمى منها : جاز ذلك ، وكان الماء بيعا له .

                                                                                                                                                                                          ولا يملك أحد الماء الجاري إلا ما دام في ساقيته ونهره ، فإذا فارقهما بطل ملكه عنه ، وصار لمن صار في أرضه وهكذا أبدا .

                                                                                                                                                                                          فمن اضطر إلى ماء لسقيه ، أو لحاجته ، فالواجب أن يعامل على سوقه إليه ، أو [ ص: 489 ] على صبه عنده في إنائه على سبيل الإجارة فقط وكذلك من كان معاشه من الماء فالواجب عليه أن يعامل أيضا على صبه أو جلبه كذلك فقط .

                                                                                                                                                                                          ومن ملك بئرا بحفر فهو أحق بمائها ما دام محتاجا إليه ، فإن فضل عنه ما لا يحتاج إليه لم يحل له منعه عمن يحتاج إليه ، وكذلك فضل النهر ، والساقية ولا فرق .

                                                                                                                                                                                          برهان ذلك : ما روينا من طريق مسلم نا أحمد بن عثمان النوفلي نا أبو عاصم الضحاك بن مخلد نا ابن جريج : أخبرني زياد بن سعد : أخبرني هلال بن أسامة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ }

                                                                                                                                                                                          وحدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أحمد بن زهير بن حرب نا أبي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أخبره أبو المنهال أن إياس بن عبد المزني قال لرجل : لا تبع الماء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الماء }

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال : سمع { إياس بن عبد المزني ورأى أناسا يبيعون الماء فقال : لا تبيعوا الماء ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يباع الماء . }

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة نا يزيد بن هارون نا ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع نقع البئر } يعني الماء هكذا في الحديث تفسيره .

                                                                                                                                                                                          ورويناه أيضا مسندا من طريق جابر .

                                                                                                                                                                                          فهؤلاء أربعة من الصحابة رضي الله عنهم ، فهو نقل تواتر ، ولا تحل مخالفته . [ ص: 490 ]

                                                                                                                                                                                          وأما من قال بذلك فقد ذكرناه آنفا عن إياس بن عبد من فتياه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة نا وكيع نا المسعودي هو أبو عميس عن عمران بن عمير قال : منعني جاري فضل مائه فسألت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ؟ فقال : سمعت أبا هريرة يقول : لا يحل بيع فضل الماء .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة نا يحيى بن آدم نا زهير عن أبي الزبير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن غلاما لهم باع فضل ماء لهم من عين بعشرين ألفا ، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص : لا تبعه فإنه لا يحل بيعه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال : يكره بيع فضل الماء : فهذا إياس بن عبد ، وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو : يحرمون بيع الماء جملة ، ولا مخالف لهم من الصحابة رضي الله عنهم واثنان من التابعين : القاسم ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة

                                                                                                                                                                                          وروينا إباحة بيع الماء في الآنية ، وبيعه في الشرب : عن عطاء وأبي حنيفة ، والشافعي ، وإباحة بيعه كذلك ، وفي الشرب عن مالك ، وعن مسروق إباحة ثمن الماء جملة ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          وبرهان زائد على تحريم بيع ماء الشرب : وهو أن الله تعالى يقول : { أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض } وقد صح النهي عن بيع المجهول ; لأنه غرر ، فلا يحل بيع الشرب ، لأنه لا يدري أفي السماء هو أم لا ؟ فهو أكل مال بالباطل وأيضا : فإنه إنما يأتي إلى العين ، والنهر ، والبئر : من خروق ، ومنافس في الأرض بعيدة هي في غير ملك صاحب المفجر ، فإنما يبيع ما لم يملك بعد ، وهذا باطل محرم وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية