الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم

جزء التالي صفحة
السابق

هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق

الخصم : صفة وصف بها الفوج أو الفريق ، فكأنه قيل : هذان فوجان أو فريقان مختصمان ، وقوله : "هذان" : للفظ ، و "اختصموا" : للمعنى ؛ كقوله : ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا [محمد : 16 ] ، ولو قيل : هؤلاء خصمان ، أو اختصما : جاز ، يراد المؤمنون والكافرون ، قال ابن عباس : رجع إلى أهل الأديان الستة ، في ربهم أي : في دينه وصفاته ، وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين : نحن أحق بالله ، وأقدم منكم كتابا ، ونبينا قبل نبيكم ، وقال المؤمنون : نحن أحق بالله ، آمنا بمحمد ، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا ، فهذه خصومتهم في ربهم ، فالذين كفروا : هو فصل الخصومة المعنى بقوله تعالى : إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ، وفي رواية عن الكسائي : "خصمان " : بالكسر ، وقرئ : "قطعت " : بالتخفيف ، كأن الله تعالى يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة ، ويجوز أن تظاهر على كل واحد منهم تلك النيران كالثياب المظاهرة على اللابس بعضها فوق بعض ؛ ونحوه : سرابيلهم من قطران [إبراهيم : 50 ] . "الحميم " : الماء الحار ، عن ابن عباس -رضي الله عنه - : لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ، "يصهر " : يذاب ، وعن الحسن بتشديد الهاء للمبالغة ، أي : إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر ، فيذيب أحشاءهم وأمعاءهم كما يذيب جلودهم ، وهو أبلغ من قوله : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم [محمد : 15 ] ، والمقامع : السياط ، في الحديث :"لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها " ، [ ص: 184 ] وقرأ الأعمش : "ردوا فيها " ، والإعادة والرد لا يكون إلا بعد الخروج ، فالمعنى : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها ، ومعنى الخروج : ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم ، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا ، "و" قيل لهم : ذوقوا عذاب الحريق ، و "الحريق" : الغليظ من النار المنتشر العظيم الإهلاك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث