الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من باب الإشارة

(ومن باب الإشارة في الآيات الر إشارة إلى ما مرت الإشارة إليه أحكمت آياته أي حقائقه وأعيانه في العالم الكلي فلا تتبدل ولا تتغير ثم فصلت في العالم الجزئي وجعلت مبينة معينة بقدر معلوم من لدن حكيم فلذا أحكمت خبير فلذا فصلت، وقد يقال: الإشارة إلى آيات القرآن قد أحكمت في قلوب العارفين ثم فصلت أحكامها على أبدان العاملين، وقيل: أحكمت بالكرامات ثم فصلت بالبينات ألا تعبدوا إلا الله أي أن لا تشركوا في عبادته سبحانه وخصصوه عز وجل بالعبادة إنني لكم منه نذير عقاب الشرك وتبعته وبشير بثواب التوحيد وفائدته وقيل: نذير بعظائم قهره وبشير بلطائف وصله وأن استغفروا ربكم اطلبوا منه سبحانه أن يستركم عن النظر إلى الغير حتى أفعالكم وصفاتكم ثم توبوا إليه ارجعوا بالفناء ذاتا، وقيل: استغفروا ربكم من الدعاوي (وتوبوا إليه) من الخطرات المذمومة يمتعكم متاعا حسنا بتوفيقكم لاتباع الشريعة حال البقاء بعد الفناء، ويقال: المتاع الحسن صفاء الأحوال. وسناء الأذكار، وحلاوة الأفكار وتجلي الحقائق وظهور اللطائف، والفرح برضوان الله تعالى وطيب العيش بمشاهدة أنواره سبحانه، والمتاع كل المتاع مشاهدة المحب حبيبه ولله در من قال:


مناي من الدنيا لقاؤك مرة فإن نلتها استوفيت كل منائيا

إلى أجل مسمى هو وقت وفاتكم ويؤت كل ذي فضل بالسعي والاجتهاد وبذل النفس فضله في الدرجات والقرب إليه سبحانه؛ ويقال: (يؤت كل ذي فضل) في الاستعداد فضله في الكمال وسئل أبو عثمان عن معنى ذلك فقال: يحقق آمال من أحسن به ظنه وإن تولوا أي تعرضوا عن امتثال الأمر والنهي فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير وهو يوم الرجوع إلى الله تعالى الذي يظهر فيه عجز ما سواه تعالى، ويتبين قبح مخالفة ما أمر به وفظاعة ارتكاب ما نهى عنه ألا إنهم يثنون يعطفون صدورهم على ما فيها من الصفات المذمومة ليستخفوا منه تعالى وذلك لمزيد جهلهم بما يجوز عليه جل شأنه وما لا يجوز ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون من الأقوال والأفعال وسائر الأحوال، وقيل: ( ما يسرون) من الخطرات وما يعلنون من النظرات، وقيل: ما يسرون بقلوبهم وما يعلنون بأفواههم، وقيل: ما يسرون بالليل (وما يعلنون) بالنهار، والتعميم أولى ، ومن الناس من جعل ضمير منه للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وقد علمت أنه يبعده ظهور أن ضمير (يعلم) له تعالى لكن ذكر في أسرار القرآن أنه تعالى كسا أنوار جلاله أفئدة الصديقين فيرون بأبصار قلوبهم ما يجري في صدور الخلائق من المضمرات والخطرات كما يرون الظواهر بالعيون الظاهرة، وقد جاء "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى"، وعلى هذا فيمكن أن يكون ضمير (يعلم) للرسول عليه الصلاة والسلام وأياما كان فالآية نازلة في غير المؤمنين حسبما يقتضيه الظاهر، وقد تقدم لك أن الأمر على ما روي عن الحبر رضي الله تعالى عنه مشكل.

وقال بعض أرباب الذوق: إن الآية عليه إشارة إلى أن أولئك الأناس لم يصلوا إلى مقام الجمع ولم يتحققوا بأعلى مراتب التوحيد، وفيه خفاء أيضا فتفطن وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها أي ما تتغذى به [ ص: 18 ] شبحا وروحا، ويقال: لكل رزق عليه تعالى بقدر حوصلته، فرزق الظاهر للأشباح، ورزق المشاهدة للأرواح، ورزق الوصلة للأسرار؛ ورزق الرهبة للنفوس، ورزق الرغبة للعقول، ورزق القربة للقلوب، وهذا بالنظر إلى الإنسان، وأما بالنظر إلى سائر الحيوانات فلها أيضا رزق محسوس ورزق معقول يعلمه الله تعالى ويعلم مستقرها ومستودعها فمستقر الجميع أصلاب العدم ومستودعها أرحام الحدوث وهو الذي خلق السماوات والأرض وما في كل في ستة أيام وكان عرشه على الماء أي كان حيا قيوما -كما قال ابن الكمال.

وقيل: الماء إشارة إلى المادة الهيولانية، والمعنى وكان عرشه قبل خلق السماوات والأرض بالذات لا بالزمان مستعليا على المادة فوقها بالرتبة، وقيل: غير ذلك، وإن شئت التطبيق على ما في تفاصيل وجودك فالمعنى على ما قيل: خلق سماوات قوى الروحانية وأرض الجسد في الأشهر الستة التي هي أقل مدة الحمل، وكان عرشه الذي هو قلب المؤمن على ماء مادة الجسد مستوليا عليه متعلقا به تعلق التصوير والتدبير ليبلوكم أيكم أحسن عملا قيل: جعل غاية الخلق ظهور الأعمال أي خلقنا ذلك لنعلم العلم التفصيلي التابع للوجود الذي يترتب عليه الجزاء أيكم أحسن عملا ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة إلخ.. تضمن الإشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يكون في السراء والضراء واثقا بربه تعالى متوكلا عليه غير محتجب عنه برؤية الأسباب؛ لئلا يحصل له اليأس والكفران والبطر والفخر بذلك وجودا وعدما، فإن آتاه رحمة شكره أولا برؤية ذلك منه جل شأنه بقلبه.

وثانيا باستعمال جوارحه في مراضيه وطاعاته والقيام بحقوقه تعالى فيها، وثالثا بإطلاق لسانه بالحمد والثناء على الله تعالى وبذلك يتحقق الشكر المشار إليه بقوله تعالى: وقليل من عبادي الشكور وإلى ذلك أشار من قال:


أفادتكم النعماء مني ثلاثة     يدي ولساني والضمير المحجبا

وبالشكر تزداد النعم كما قال تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم وعن علي كرم الله تعالى وجهه إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر، ثم إن نزعها منه فليصبر ولا يتهم الله تعالى بشيء، فإنه تعالى أبر بالعبد وأرحم وأخبر بمصلحته وأعلم، ثم إذا أعادها عليه لا ينبغي أن يبطر ويغتر ويفتخر بها على الناس فإن الاغترار والافتخار بما لا يملكه من الجهل بمكان، وقد أفاد سبحانه أن من سجايا الإنسان في الشدة بعد الرحمة اليأس والكفران وبالنعماء بعد الضراء الفرح والفخر إلا الذين صبروا مع الله تعالى في حالتي النعماء والضراء والشدة والرخاء، فالفقر والغنى مثلا عندهم مطيتان لا يبالون أيهما امتطوا وعملوا الصالحات ما فيه صلاحهم في كل أحوالهم أولئك لهم مغفرة من ذنوب ظهور النفس باليأس والكفران والفرح والفخر وأجر كبير من ثواب تجليات الأفعال والصفات وجنانهما، والله تعالى ولي التوفيق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث