الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ. (46) قوله تعالى: وعند الله مكرهم : يجوز أن يكون هذا المصدر مضافا لفاعله كالأول بمعنى: أن مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله تعالى، أو للمفعول، بمعنى: أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم. قالهما الزمخشري . قال الشيخ: وهذا لا يصح إلا إن كان "مكر" يتعدى بنفسه كما قال هو، إذ قدر: يمكرهم به، والمحفوظ أن "مكر" لا يتعدى إلى مفعول به بنفسه. قال تعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا ، وتقول: زيد ممكور به، ولا يحفظ "زيد ممكور" بسبب كذا. [ ص: 126 ] قوله "لتزول" قرأ العامة بكسر اللام، والكسائي بفتحها فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها نافية، واللام لام الجحود; لأنها بعد كون منفي، وفي "كان" حينئذ قولان، أحدهما: أنها تامة، والمعنى: تحقير مكرهم، أنه ما كان لتزول منه الشرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوتها. ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: "وما كان مكرهم". القول الثاني: أنها ناقصة، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين: هل هو محذوف واللام متعلقة به، وإليه ذهب البصريون، أو هذه اللام وما جرته، كما هو مذهب الكوفيين، وقد تقرر هذا في آخر آل عمران.

                                                                                                                                                                                                                                      الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة. قال الزمخشري : "وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلا لشدته، أي: وإن كان مكرهم معدا لذلك". وقال ابن عطية: "ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديدا، إنما يفعل لتذهب به عظام الأمور"، فمفهوم هذين الكلامين أنها مخففة لأنه إثبات.

                                                                                                                                                                                                                                      والثالث: أنها شرطية، وجوابها محذوف، أي: وإن كان مكرهم معدا لإزالة أشباه الجبال الرواسي، وهي المعجزات والآيات، فالله مجازيهم بمكر هو أعظم منه. وقد رجح الوجهان الأخيران على الأول وهو أنها نافية; لأن فيه [ ص: 127 ] معارضة لقراءة الكسائي، وذلك أن قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنفي.

                                                                                                                                                                                                                                      وقد أجاب بعضهم عن ذلك بأن الحال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام ومعجزاته كمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار بها إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الدين الحق، فلا تعارض، إذ لم يتواردا على معنى واحد نفيا وإثباتا.

                                                                                                                                                                                                                                      وأما قراءة الكسائي ففي "إن" وجهان: مذهب البصريين، أنها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين: أنها نافية واللام بمعنى "إلا"، وقد تقدم تحقيق المذهبين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ عمر وعلي وعبد الله وزيد بن علي وأبو سلمة وجماعة: "وإن كاد مكرهم لتزول" كقراءة الكسائي إلا أنهم جعلوا مكان نون "كان" دالا فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدم، ولكن الزوال غير واقع.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ: "لتزول" بفتح اللامين. وتخريجهما على إشكالها أنها جاءت على لغة من يفتح لام "كي".

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية