الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم

تلك أمة قد خلت الإشارة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأولاده، والأمة أتت بمعان، والمراد بها هنا الجماعة من أم بمعنى قصد، وسميت كل جماعة يجمعهم أمر ما إما دين واحد أو زمان واحد أو مكان بذلك، لأنهم يؤم بعضهم بعضا، ويقصده، والخلو المضي وأصله الانفراد.

لها ما كسبت ولكم ما كسبتم استئناف، أو بدل من قوله تعالى : (خلت) لأنها بمعنى لا تشاركونهم، وهي كغير الوافية، وهذه وافية بتمام المراد أو الأولى صفة أخرى (لأمة)، أو حال من ضمير (خلت) والثانية جملة مبتدأة، إذ لا رابط فيها، ولا مقارنة في الزمان، وفي الكلام مضاف محذوف بقرينة المقام، أي لكل أجر عمله، وتقديم المسند لقصر المسند إليه على المسند، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم، واتباعهم كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: (يا معشر قريش، إن أولى أناس بالنبي المتقون، فكونوا بسبيل من ذلك، فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال وتلقوني بالدنيا فأصد عنكم بوجهي)، ولك أن تحمل الجملة الأولى على معنى: لها ما كسبته، لا يتخطاها إلى غيرها، والثانية على معنى: [ ص: 392 ] ولكم ما كسبتموه لا ما كسبه غيرهم، فيختلف القصران لاقتضاء المقام ذلك.

ولا تسألون عما كانوا يعملون إن أجري السؤال على ظاهره فالجملة مقررة لمضمون ما قبلها، وإن أريد به مسببه أعني الجزاء فهو تذييل لتتميم ما قبله، والجملة مستأنفة أو معترضة، والمراد تخييب المخاطبين، وقطع أطماعهم من الانتفاع بحسنات من مضى منهم، وإنما أطلق العمل لإثبات الحكم بالطريق البرهاني في ضمن قضية كلية، وحمل الزمخشري الآية على معنى: لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم، واعترض بأنه مما لا يليق بشأن التنزيل، كيف لا، وهم منزهون عن كسب السيئات، فمن أين يتصور تحميلها على غيرهم، حتى يتصدى لبيان انتفائه، وأنت تعلم أنه إذا كان المقصود سوق ذلك بطريق كلي برهاني لا يتوهم ما ذكر.

هذا ومن الغريب حمل الإشارة على كل من إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وأن المعنى: كل واحد منهم أمة، أي بمنزلتها في الشرف والبهاء، قد خلت أي مضت، ولستم مأمورين بمتابعتهم لها ما كسبت وهو ما أمرها الله تعالى به، ولكم ما كسبتم مما يأمركم به سبحانه وتعالى، ولا ينفعكم مكتسبهم لأنه ليس مقبولا منكم، لأنه ليس في حقكم، إنما ينفعكم ما يجب عليكم كسبه، ولا تسألون عما كانوا يعملون هل عملتم به؟ وإنما تسألون عما كان يعمل نبيكم الذي أمرتم بمتابعته، فإن أعماله ما هو كسبكم المسؤول عنه، فدعوا أن هذا ما أمر به إبراهيم أو غيره وتمسكوا بما أمر به نبيكم، واعتبروا إضافة العمل إليه دونهم، ولا يخفى أنه لو كانت هذه الآيات كلام هذا المفسر لأمكن حملها على هذا التفسير الذي لا فرع ولا أصل له، لكنها كلام رب العالمين الذي يجل عن الحمل على مثل ذلك.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث