الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
(28) (باب ذكر البيان أن الله - عز وجل - في السماء) :

كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه - عليه السلام - ، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين ، علمائهم وجهالهم ، أحرارهم ومماليكهم ، ذكرانهم وإناثهم ، بالغيهم وأطفالهم ، كل من دعا الله - جل وعلا - : فإنما يرفع رأسه إلى السماء ، ويمد يديه إلى الله ، إلى أعلاه لا إلى أسفل .

قال أبو بكر : قد ذكرنا استواء ربنا على العرش في الباب قبل ، فاسمعوا الآن ما أتلو عليكم من كتاب ربنا الذي هو مسطور بين الدفتين ، مقروء في المحاريب [ ص: 255 ] والكتاتيب ، مما هو مصرح في التنزيل أن الرب - جل وعلا - في السماء ، لا كما قالت الجهمية المعطلة : إنه في أسفل الأرضين . فهو في السماء عليهم لعائن الله التابعة .

قال الله تعالى : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ، وقال الله تعالى : أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ، أفليس قد أعلمنا - يا ذوي الحجا - خالق السماوات والأرض ، وما بينهما في هاتين الآيتين : أنه في السماء .

وقال - عز وجل - : إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه ، أفليس العلم محيطا - يا ذوي الحجا والألباب أن الرب - جل وعلا - فوق من يتكلم بالكلمة الطيبة ، فتصعد إلى الله كلمته ؟ ، لا كما زعمت المعطلة الجهمية ، أنه تهبط إلى الله الكلمة الطيبة ، كما تصعد إليه .

ألم تسمعوا - يا طلاب العلم ، - قوله تبارك وتعالى - لعيسى ابن مريم : يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ؟ ، أليس إنما يرفع الشيء من أسفل إلى أعلى ، لا من أعلى إلى أسفل ؟ .

[ ص: 256 ] وقال الله - عز وجل - : بل رفعه الله إليه ، ومحال أن يهبط الإنسان من ظهر الأرض إلى بطنها ، أو إلى موضع أخفض منه وأسفل ، فيقال : رفعه الله إليه ؛ لأن الرفعة في لغة العرب - الذين بلغتهم خوطبنا - لا تكون إلا من أسفل إلى أعلى وفوق .

ألم تسمعوا قول خالقنا - جل وعلا - يصف نفسه : وهو القاهر فوق عباده ، أو ليس العلم محيطا ، إن الله فوق جميع عباده ، من الجن والإنس ، والملائكة ، الذين هم سكان السماوات جميعا ؟ أو لم تسمعوا قول الخالق البارئ ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ، والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون .

فأعلمنا الجليل - جل وعلا - في هذه الآية - أيضا - أن ربنا فوق ملائكته ، وفوق ما في السماوات ، وما في الأرض ، من دابة ، أعلمنا أن ملائكته يخافون ربهم الذي فوقهم .

والمعطلة تزعم أن معبودهم تحت الملائكة ، ألم تسمعوا قول خالقنا : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ، أليس معلوما في اللغة السائرة بين العرب .

[ ص: 257 ] التي خوطبنا [بها] وبلسانهم نزل الكتاب ، أن تدبير الأمر من السماء إلى الأرض ، إنما يدبره المدبر ، وهو في السماء لا في الأرض ، كذلك مفهوم عندهم : أن المعارج : المصاعد ، قال الله (تعالى) : تعرج الملائكة والروح إليه ، وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق ، لا من أعلى إلى دون وأسفل ، فتفهموا لغة العرب لا تغالطوا .

وقال - جل وعلا - : سبح اسم ربك الأعلى فالأعلى : مفهوم في اللغة : أنه أعلى كل شيء ، وفوق كل شيء ، والله قد وصف نفسه في غير موضع من تنزيله ووحيه ، أعلمنا أنه العلي العظيم .

أفليس العلي - يا ذوي الحجا - ما يكون عليا ، لا كما تزعم المعطلة الجهمية : أنه أعلى وأسفل ، ووسط ، ومع كل شيء ، وفي كل موضع من أرض وسماء ، وفي أجواف جميع الحيوان .

ولو تدبروا آية من كتاب الله ، ووفقهم الله لفهمها : لعقلوا أنهم جهال ، لا يفهمون ما يقولون ، وبأن لهم جهل أنفسهم ، وخطأ مقالتهم .

وقال الله تعالى - لما سأله كليمه موسى - عليه السلام - أن يريه ينظر إليه : قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ، إلى قوله : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا .

[ ص: 258 ] أفليس العلم محيطا - يا ذوي الألباب - أن الله - عز وجل - لو كان في كل موضع ، ومع كل بشر وخلق - كما زعمت المعطلة ، لكان متجليا لكل شيء ، وكذلك جميع ما في الأرض ، لو كان متجليا لجميع أرضه ، سهلها ، ووعرها ، وجبالها ، وبراريها ومفاوزها ، ومدنها وقراها ، وعمرانها وخرابها ، وجميع ما فيها من نبات وبناء ، لجعلها دكا ، كما جعل الله الجبل الذي تجلى له دكا ، قال الله تعالى : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا .

التالي السابق


الخدمات العلمية