الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل لا تعارض بين فعليه صلى الله عليه وسلم

( فصل لا تعارض بين فعليه ) أي : فعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تماثلا ، كما لو فعل صلاة ، ثم فعلها مرة أخرى في وقت آخر ( و ) كذا ( لو اختلفا ) وأمكن اجتماعهما .

كفعل صوم وفعل صلاة ( أو لم يمكن اجتماعهما ، لكن لا يتناقض حكماهما ) لإمكان الجمع . وحيث أمكن الجمع امتنع التعارض ( وكذا إن تناقض ) الحكم ( كصوم ) رسول الله صلى الله عليه وسلم في ( وقت ) بعينه ( وفطر ) هـ في ( مثله ) فإنهما لا يتعارضان أيضا ، لإمكان كونه واجبا أو مندوبا أو مباحا في أحد الوقتين وفي الوقت الآخر بخلافه ( لكن إن دل دليل على وجوب تكرر ) فعله ( الأول له ) أي على وجوب تكرر الصوم عليه صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك الوقت ( أو ) دل دليل ( لأمته ) على وجوب التأسي به في ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت ( فتلبس بضده ) أي في مثل ذلك الوقت ، وهو الفطر مع قدرته على الصوم ، دل أكله على نسخ دليل تكرار الصوم في حقه ، لا نسخ حكم الصوم السابق ، لعدم اقتضائه التكرار . ورفع حكم وجد محال ( أو أقر آكلا في مثله ) أي في مثل ذلك الوقت : ( فنسخ ) ، لدليل تعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص ، أو تخصيصه . وقد يطلق النسخ والتخصيص على المعنى ، بمعنى زوال التعبد مجازا . وقيل في فعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم المختلفين : إنه إن علم التاريخ . فالثاني ناسخ ، ولا تعارض وإلا تعارضا ، وعدل إلى القياس وغيره من الترجيحات .

وحيث انتهى القول فيما إذا تعارض فعلاه صلى الله عليه وسلم ، فلنشرع الآن فيما إذا تعارض فعله وقوله ، بأن كان كل منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه [ ص: 221 ] الآخر . وتنحصر مسائل ذلك في اثنتين وسبعين مسألة . ووجه الحصر في ذلك : أنه لا يخلو إما أن لا يدل دليل على التكرار والتأسي ، أو يدل الدليل على كل منهما ، أو يدل على الأول ، وهو التكرار ، دون الثاني وهو التأسي ، أو يدل على الثاني وحده ، وهو التأسي دون الأول ، وهو التكرار . فهذه أربعة أقسام ، كل من الأربعة يتنوع إلى ثمانية عشر نوعا ، فيصير المجموع اثنتين وسبعين مسألة ; لأن كل واحد من الأقسام الأربعة لا يخلو إما أن يكون القول خاصا به ، أو خاصا بنا ، أو عاما له ولنا ، وعلى كل تقدير من ذلك لا يخلو إما أن يكون القول متقدما على الفعل ، ومتأخرا عنه ، أو مجهول التاريخ . فهذه تسعة أنواع حصلت من ضرب ثلاثة في ثلاثة ، وعلى كل تقدير منها لا يخلو إما أن يظهر أثره في حقه ، أو في حقنا . فهذه ثمانية عشر نوعا مضروبة في الأربعة الأقسام المذكورة . فتصير اثنتين وسبعين مسألة تؤخذ من منطوق المتن والشرح ومفهومهما ( وحيث ) علمت ذلك . فإنه ( لا ) تعارض ( في فعله وقوله ، حيث لا دليل على تكرر ) في حقه صلى الله عليه وسلم ( ولا تأس ) به . وهذا هو القسم الأول ( والقول خاص به ) أي والحال أن القول خاص به صلى الله عليه وسلم ( و ) الحال أيضا أن القول ( تأخر ) عن الفعل . مثال ذلك : أن يفعل شيئا في وقت ، ثم يقول بعد ذلك : لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل هذا الوقت ونحو ذلك . ووجه عدم التعارض في حقه وحق أمته جميعا : كون الجمع ممكنا لعدم الدليل على التكرار ، ولم يكن رافعا لحكم في الماضي ولا في المستقبل . أما عدم التعارض في حقه : فلأن القول لم يتناول الزمان الذي وقع فيه الفعل ، والفعل أيضا : لم يتناول الزمان الذي تعلق به القول . فلا يكون أحدهما رافعا لحكم الآخر . وأما عدم التعارض في حق الأمة : فظاهر ; لأنه ليس لواحد من القول والفعل تعلق بالأمة ( لكن إن تقدم ) القول على الفعل . كما لو قال النبي صلى الله عليه وسلم : يجب علي كذا في وقت كذا . وتلبس بضده في ذلك الوقت ( فالفعل ) الذي تلبس به ( ناسخ ) لحكم قوله السابق [ ص: 222 ] لجواز النسخ قبل التمكن على الصحيح . وذكر الأصفهاني في شرح المختصر : أنه إن كان الفعل بعد التمكن من مقتضى القول لم يكن ناسخا للقول ، إلا أن يدل دليل على وجوب تكرار مقتضى القول . فإنه حينئذ يكون الفعل ناسخا لتكرر مقتضى القول . ولم يذكر ذلك ابن الحاجب ، ولا ابن مفلح . قال في شرح التحرير : وتابعتهما

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث