الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 284 ] باب فيما يجب تقديم ذكره إجمالا

على بيان رد الإشراك تفصيلا

اعلم أن البشر كلهم عبيد لله تعالى ، وشأن العبد أن يعبد الله ، فمن لم يعبده ، لا يكون له عبدا .

وأصل العبادة : تصحيح الإيمان ، وتقوية الإيقان ، وتحقيق الإذعان ؛ لأن من تطرق إلى إيمانه خلل ، أو وقع فيه زلل ، فلا تقبل منه عبادة أصلا ، ومن أتى بالإيمان الصحيح ، فقليل العبادة منه يقبل .

فعلى كل إنسان أن يصحح إيمانه ، وينقح إيقانه ، ويجهد في ذلك إمكانه ، ويقدمه على كل شيء .

وقد صار الناس في هذا الزمن في أمر الدين على طرائق شتى ، ومذاهب لا تحصرها «إلى » ، و «حتى » .

1-فمنهم : من اتخذ رسوم أسلافه شرعا .

2-ومنهم : من اعتقد قصص أكابره واتخذها مشربا .

3-ومنهم : من استند في طريقه بالسبيل الذي استنبطه العلماء ، وأحدثه الأحبار من تلقاء نفوسهم بذكاوة طبائعهم .

4-ومنهم من يستبد بعقله ، ويفتخر بفضله .

ولا ريب أن الأفضل ، والأحق من جميع هذه: أن يجعل كلام الله تعالى ، وكلام رسوله أصلا ، وبه يستند ، وعليه يعتمد ، ولا يعطي لعقله دخلا فيه . [ ص: 285 ]

وكل ما وافق من قصص الأكابر ، وأقوال العلماء بهما يقبله ، وما خالفهما فلا يستند به ، بل يرده ، كائنا ما كان ، وأينما كان ، وكذلك كل سمت ، ودل لهم لا يوافق الأصلين يتركه .

وأما قول العامة : إن كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم يشكل فهمه ، ويعسر فقهه ، وينبغي لدركه علم كبير ، وفضل غزير ، وأنى لنا أن نفهم ذلك، أو ندرك ما هنالك ؟

بل السلوك على ذلك الصراط إنما هو شأن الأكابر الفحول ، وصنيع العلماء الذين لا يحول علمهم ولا يزول .

ومن نحن حتى نسلك هذا المسلك ، أو ندخل في هذا المقام ؟ بل يكفينا تقليدهم ، والتمسك بأقوالهم .

فهذا القول من هؤلاء الجهلة يخالف القرآن العزيز .

فإن الله - سبحانه وتعالى - قال في محكم كتابه : ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون [البقرة : 99] .

وهذا يدل على أن آيات الله واضحة ، وشرائعه باهرة ، ولا إشكال في شيء منها .

إنما الإشكال في السلوك عليها ؛ لأن النفس يسوها امتثال الأوامر ، وإطاعة الآمرين ، فالفاسقون ينكرونها ، ويخالفونها .

وأما كلام الله سبحانه ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا حاجة في فهمه إلى مزيد علم ؛ لأن النبي إنما جاء لهداية السفهاء ، وإراءة الطريق الحقة للجهلاء ، وتعليم الذين لم يكن لهم علم أصلا كما قال تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة : 2] .

فكان من نعم الله تعالى على عباده أن أرسل إليهم رسولا علمهم العلم ، [ ص: 286 ] وأذهب عنهم الجهل ، وطهرهم من الأدناس ، وجعل السفهاء منهم الأكياس والحمقاء العقلاء ، والضالين الهداة المهديين .

فمن سمع آية من الكتاب العزيز ، أو حديثا من السنة المطهرة ، وقال : إن كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لا يفهمهما إلا العالمون ، ولا يسلك مسلكهما إلا الكبراء الفاضلون ، فقد أنكر هو هذه الآيات ، ولم يعرف قدر نعم الله .

بل الذي ينبغي أن يقال : إن الجاهلين يصيرون عالمين بفهم كلامهما ، والضالين يهتدون بالسلوك على صراطهما .

مثال ذلك: أن يكون طبيب حاذق ، ويكون رجل كثير المرض ، شديد السقم :

فيقول رجل لهذا المريض : اذهب إلى الطبيب الفلاني ، واستعلجه ، تشف .

فيجيب المريض : إن الذهاب إليه ، والتداوي منه إنما هو فعل الأصحاء الكاملين ، وأنا مريض شديد المرض ، لا يمكنني ذلك.

فهذا الرجل ما أحمقه ! ينكر حكمة الحكيم ، ويأبى طب الطبيب الحاذق ، ولم يدر أن الطبيب إنما هو يعالج المرضى خاصة .

ومن كان لا يعالج إلا الأصحاء ، ولا ينفع علاجه إلا لهم ، ولا يكون للمرضى فائدة منه ، فليس هو بطبيب أصلا .

والحاصل : أن الجاهل الشديد الجهل : ينبغي له مزيد رغبة في فقه كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأن العاصي الشديد العصيان : ينبغي له مزيد اجتهاد في سلوك سبيل الله ، وسبيل رسوله صلى الله عليه وسلم.

فعلى كل عام وخاص أن يحقق معاني كلامهما ، ويفهمهما ، ويسلك على مسلكهما ، ويوفق إيمانه بمدلولهما من النصوص ، والظواهر ، ولا يخاف في الله لومة لائم من الأكابر ، والأصاغر . [ ص: 287 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية