الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة إبراهيم عليه السلام

[ ص: 369 ] سورة إبراهيم عليه السلام

" بسم الله " الذي تفرد بالكمال، وعز [عن] أن يكون له كفو أو مثال "الرحمن" لجميع خلقه بكتاب هو الغاية في البيان "الرحيم" الذي اختار من عباده من ألزمهم روح وداده الر مقصود السورة التوحيد، وبيان أن هذا الكتاب غاية البلاغ إلى الله، لأنه كافل ببيان الصراط الدال عليه المؤدى إليه. ناقل - بما فيه من الأسرار - للخلق من طور إلى طور - بما يشير إليه حرف الراء، وأدل ما فيها على هذا المرام قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أما التوحيد فواضح أما أمر الكتاب فلأنه من جملة دعائه لذريته الذين أسكنهم عند البيت المحرم من ذرية إسماعيل عليه السلام " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم

ولما ختم الرعد بأنه لا شهادة تكافئ شهادة من عنده، علم الكتاب إشارة إلى أن الكتاب هو الشاهد بإعجازه ببلاغته وما حوى من [ ص: 370 ] فنون العلوم، وأتى به في ذاك السياق معرفا لما تقدم من ذكره في البقرة وغيرها ثم تكرر وصفه في [سورة يونس وهود ويوسف والرعد] بأنه حكيم محكم مفصل مبين، وأنه الحق الثابت الذي تزول الجبال الرواسي وهو ثابت لا يتعتع شيء منه. ولا يزلزل معنى من معانيه، ذكره في أول [هذه] السورة منكرا تنكير التعظيم فقال: كتاب أي عظيم في درجات من العظمة. لا تحتمل عقولكم الإخبار عنها بغير هذا الوصف، ودل تعليل وصفه بالمبين بأنه عربي على أن التقدير: أنـزلناه أي بما لنا من العظمة "إليك" بلسان قومك لتبين لهم.

ولما استجمع التعريف بالأوصاف الموجبة للفلاح المذكورة أول السورة المستدل عليها بكل برهان منير وسلطان مبين، فصار بحيث لا يتوقف عن اجتناء ثمرته من وقف على حقائق تلك النعوت، شوق إلى تلك الثمرة بعد تفصيل ما في أول البقرة في التي قبلها كما مضى بما يحث عليه ويقبل بقلب كل عاقل إليه فقال: لتخرج الناس أي عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم به وإن كانوا ذوي اضطراب من الظلمات التي هي أنواع كثيرة [ ص: 371 ] من الضلالات التي أدت إليها الجهالات إلى النور الذي هو واحد، وهو سبيل الله المدعو بالهداية إليه في الفاتحة، أو لتبين للعرب قومك لأنه بلسانهم بيانا شافيا، فتجعلهم - بما تقيم عليهم من الحجج الساطعة، وتوضح لهم من البراهين القاطعة، وتنصب لهم من الأعلام الظاهرة، وتحكم لهم من الأدلة الباهرة - في مثل ضوء النهار بما فتح من مقفل أبصارهم، وكشف عن أغطية قوبهم، فيكونوا متمكنين من أن يخرجوا من ظلمات الكفر التي هي طرق الشيطان إلى نور الإيمان الذي هو سبيله ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وشبه الإيمان وما أرشد إليه بالنور، لأنه عصمة العقل من الخطأ في الطريق إلى الله كما أن النور عصمة البصر من الضلال عن الطريق الحسي، وإذا خرجوا إلى النور كانوا جديرين بأن يخرجوا جميع الناس بإذن ربهم أي المحسن إليهم; والإذن: الإطلاق في الفعل بقول يسمع بالأذن، هذا أصله - قاله الرماني .

ولما كان النور مجملا، بينه على سبيل الاستئناف أو البدل بتكرير العامل فقال: إلى صراط العزيز الذي تعالى عن صفات النقص [ ص: 372 ] فعز [عن] أن يدخل أحد صراطه الذي هو ربه، أو يتعرض [أحد] إلى سالكه بغير إذنه الحميد المحيط بجميع الكمال، فهو المستحق لجميع المحامد لذاته وبما يفيض على عباده من النعم التي يربيهم ويتحمد إليهم بها على كل حال، فكيف إذا سلكوا سبيله الواضح الواسع السهل! .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث