الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب السادس في الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية

الباب السادس

في الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية

واعلم أن القرآن مملوء منه وطريق الضبط فيه أن يقال : ذلك السلب إما أن يكون عائدا إلى الذات ، أو إلى الصفات ، أو إلى الأفعال ، أما السلوب العائدة إلى الذات فهي قولنا إنه تعالى ليس كذا ولا كذا ، كقولنا : إنه ليس جوهرا ولا جسما ولا في المكان ولا في الحيز ولا حالا ولا محلا ، واعلم أنا قد دللنا على أن ذاته مخالفة لسائر الذوات والصفات لعين ذاته المخصوصة ، لكن أنواع الذوات والصفات المغايرة لذاته غير متناهية ، فلا جرم يحصل ههنا سلوب غير متناهية ، ومن جملتها قوله تعالى : ( والله الغني وأنتم الفقراء ) [ محمد : 38 ] وقوله : ( وربك الغني ذو الرحمة ) [ الأنعام : 133 ] لأن كونه غنيا أنه لا يحتاج في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية إلى شيء غيره ، ومنه أيضا قوله : ( لم يلد ولم يولد ) [ الإخلاص : 3 ] ، وأما السلوب العائدة إلى الصفات فكل صفة تكون من صفات النقائص فإنه يجب تنزيه الله تعالى عنها ، فمنها ما يكون من باب أضداد العلم ومنها ما يكون من باب أضداد القدرة ، ومنها ما يكون من باب أضداد الاستغناء ، ومنها ما يكون من باب أضداد الوحدة ، ومنها ما يكون من باب أضداد العلم فأقسام :

أحدها : نفي النوم ، قال تعالى : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) [ البقرة : 255 ] .

وثانيها : نفي النسيان ، قال تعالى : ( وما كان ربك نسيا ) [ مريم : 64 ] .

وثالثها : نفي الجهل ، قال تعالى : ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) [ سبأ : 3 ] .

ورابعها : أن علمه ببعض المعلومات لا يمنعه عن العلم بغيره فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن .

وأما السلوب العائدة إلى صفة القدرة فأقسام :

أحدها : أنه منزه في أفعاله عن التعب والنصب ، قال تعالى : ( وما مسنا من لغوب ) [ ق : 38 ] .

وثانيها : أن لا يحتاج في فعله إلى الآلات والأدوات وتقدم المادة والمدة ، قال تعالى : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) [ النحل : 40 ] .

وثالثها : أنه لا تفاوت في قدرته بين فعل الكثير والقليل ، قال تعالى : ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) [ النحل : 77 ] .

ورابعها : نفي انتهاء القدرة وحصول الفقر ، قال تعالى : ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) [ آل عمران : 181 ] .

وأما السلوب العائدة إلى صفة الاستغناء فكقوله : ( وهو يطعم ولا يطعم ) [ الأنعام : 14 ] ، ( وهو يجير ولا يجار عليه ) [ المؤمنون : 88 ] .

وأما السلوب العائدة إلى صفة الوحدة - وهو مثل نفي الشركاء والأضداد والأنداد - فالقرآن مملوء منه .

وأما السلوب العائدة إلى الأفعال - وهو أنه لا يفعل كذا وكذا - فالقرآن مملوء منه .

أحدها : أنه لا يخلق الباطل ، قال تعالى : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ) [ ص : 27 ] ، وقال تعالى حكاية عن المؤمنين ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ) [ آل عمران : 191 ] .

وثانيها : أنه لا يخلق اللعب ، قال تعالى : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ) .

وثالثها : لا يخلق العبث ، قال تعالى : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق ) [ المؤمنون : 115 ] .

ورابعها : أنه لا يرضى بالكفر قال تعالى : [ ص: 118 ] ( ولا يرضى لعباده الكفر ) [ الزمر : 7 ] .

وخامسها : أنه لا يريد الظلم ، قال تعالى : ( وما الله يريد ظلما للعباد ) [ غافر : 31 ] .

وسادسها : أنه لا يحب الفساد ، قال تعالى : ( والله لا يحب الفساد ) [ البقرة : 205 ] .

وسابعها : أنه لا يعاقب من غير سابقة جرم ، قال تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ) [ النساء : 147 ] .

وثامنها : أنه لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين ، قال تعالى : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) [ الإسراء : 7 ] .

وتاسعها : أنه ليس لأحد عليه اعتراض في أفعاله وأحكامه ، قال تعالى : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] ، وقال تعالى : ( فعال لما يريد ) [ هود : 107 ] .

وعاشرها : أنه لا يخلف وعده ووعيده ، قال تعالى : ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) [ ق : 29 ] .

إذا عرفت هذا الأصل فنقول : أقسام السلوب بحسب الذات وبحسب الصفات وبحسب الأفعال غير متناهية ، فيحصل من هذا الجنس أيضا أقسام غير متناهية من الأسماء ، إذا عرفت هذا الأصل ، فلنذكر بعض الأسماء المناسبة لهذا الباب :

فمنها القدوس والسلام ، ويشبه أن يكون القدوس عبارة عن كون حقيقة ذاته مخالفة للماهيات التي هي نقائص في أنفسها ، والسلام عبارة عن كون تلك الذات غير موصوفة بشيء من صفات النقص ، فالقدوس سلب عائد إلى الذات ، والسلام سلب عائد إلى الصفات .

وثانيها العزيز وهو الذي لا يوجد له نظير .

وثالثها الغفار وهو الذي يسقط العقاب عن المذنبين .

ورابعها الحليم ، وهو الذي لا يعاجل بالعقوبة ، ومع ذلك فإنه لا يمتنع من إيصال الرحمة .

وخامسها الواحد ، ومعناه أنه لا يشاركه أحد في حقيقته المخصوصة ، ولا يشاركه أحد في نظم العالم وتدبير أحوال العرش .

سادسها الغني : ومعناه كونه منزها عن الحاجات والضرورات .

وسابعها الصبور ، والفرق بينه وبين الحليم أن الصبور هو الذي لا يعاقب المسيء مع القدرة عليه ، والحليم هو الذي يكون كذلك مع أنه لا يمنعه من إيصال نعمته إليه ، وقس عليه البواقي والله الهادي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث