الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه

جزء التالي صفحة
السابق

آ. (66) قوله تعالى: نسقيكم : يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة للعبرة، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل: نسقيكم من بين فرث ودم لبنا خالصا. ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ مضمر، والجملة جواب لذلك السؤال، أي: هي، أي: العبرة نسقيكم، ويكون كقولهم: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه".

وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر: "نسقيكم" بفتح النون هنا وفي المؤمنين. والباقون بضمها فيهما. واختلف الناس: هل سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد، أم بينهما فرق؟ خلاف مشهور. فقيل: هما بمعنى، وأنشد جمعا بين اللغتين:


2290 - سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال

دعا للجميع بالسقي والخصب. و "نميرا" هو المفعول الثاني، أي: ماء نميرا. وقال أبو عبيد: "من سقى الشفة: سقى فقط، ومن سقى الشجر والأرض. أسقى، وللداعي بالسقيا وغيرها: أسقى فقط". وقال [ ص: 252 ] الأزهري: "العرب تقول: ما كان من بطون الأنعام، ومن السماء، أو نهر يجري، أسقيت، أي: جعلت شربا له وجعلت له منه سقيا؟، فإذا كان للشفة قالوا: سقى، ولم يقولوا: أسقى".

وقال الفارسي: "سقيته حتى روي، وأسقيته نهرا، أي: جعلته له شربا". وقيل: سقاه إذا ناوله الإناء ليشرب منه، ولا يقال من هذا: أسقاه.

وقرأ أبو رجاء: "يسقيكم" بضم الياء من أسفل وفي فاعله وجهان، أحدهما: هو الله تعالى، الثاني: أنه ضمير النعم المدلول عليه بالأنعام، أي: نعما يجعل لكم سقيا. وقرئ "تسقيكم" بفتح التاء من فوق. قال ابن عطية: "وهي ضعيفة". قال الشيخ: "وضعفها عنده -والله أعلم- أنه أنث في "تسقيكم"، وذكر في قوله: مما في بطونه ، ولا ضعف من هذه الجهة; لأن التذكير والتأنيث باعتبارين". قلت: وضعفها عنده من حيث المعنى: وهو أن المقصود الامتنان على الخلق، فنسبة السقي إلى الله تعالى هو الملائم، لا نسبته إلى الأنعام.

قوله: مما في بطونه يجوز أن تكون "من" للتبعيض، وأن تكون لابتداء الغاية. وعاد الضمير هنا على الأنعام مفردا مذكرا. قال [ ص: 253 ] الزمخشري : "ذكر سيبويه الأنعام في باب: "ما لا ينصرف" في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياش، ولذلك رجع الضمير إليه مفردا، وأما "في بطونها" في سورة المؤمنين فلأن معناه جمع. ويجوز أن يقال في "الأنعام" وجهان، أحدهما: أن يكون تكسير "نعم" كأجبال في جبل، وأن يكون اسما مفردا مقتضيا لمعنى الجمع [كنعم]، فإذا ذكر فكما يذكر "نعم" في قوله:


2991 - في كل عام نعم تحوونه     يلقحه قوم وتنتجونه

وإذا أنث ففيه وجهان: "أنه تكسير "نعم"، وأنه في معنى الجمع".

قال الشيخ: أما ما ذكره عن سيبويه ففي كتابه في: "هذا باب ما كان على مثال مفاعل ومفاعيل ما نصه: وأما أجمال وفلوس فإنها تنصرف وما أشبهها; لأنها ضارعت الواحد، ألا ترى أنك تقول: أقوال وأقاويل، وأعراب وأعاريب وأيد وأياد، فهذه الأحرف تخرج إلى مثال مفاعل [ ص: 254 ] ومفاعيل، كما يخرج إليه الواحد إذا كسر للجمع. وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسر، فلا يخرج الجمع إلى بناء غير هذا; لأن هذا البناء هو الغاية، فلما ضارعت الواحد صرفت". ثم قال: وكذلك الفعول لو كسرت مثل الفلوس لأن تجمع جميعا لأخرجته إلى فعائل، كما تقول: جدود وجدائد وركوب وركائب، ولو فعلت ذلك بمفاعل ومفاعيل لم تجاوز هذا البناء، ويقوي ذلك أن بعض العرب يقول: أتي، فيضم الألف. وأما أفعال فقد يقع للواحد، من العرب من يقول: هو الأنعام، قال الله عز وجل: نسقيكم مما في بطونه . وقال أبو الخطاب: "سمعت من العرب من يقول: هذا ثوب أكياش".

قال: والذي ذكر سيبويه هو الفرق بين مفاعل ومفاعيل وبين أفعال وفعول، وإن كان الجميع أبنية للجمع من حيث إن مفاعل ومفاعيل لا يجمعان وأفعالا وفعولا قد يخرجان إلى بناء يشبه مفاعل أو مفاعيل، فلما كانا قد يخرجان إلى ذلك انصرفا، ولم ينصرف مفاعل ومفاعيل لشبه ذينك بالمفرد; من حيث إنه يمكن جمعها وامتناع هذين من الجمع، ثم قوي شبههما بالمفرد بأن بعض العرب يقول في أتي: "أتي" بضم الهمزة، يعني أنه قد جاء نادرا فعول من غير المصدر للمفرد، وبأن بعض العرب قد يوقع أفعالا للمفرد من حيث أفرد الضمير فيقول: "هو الأنعام"، وإنما يعني أن ذلك على سبيل المجاز; لأن الأنعام في [ ص: 255 ] معنى النعم، والنعم مفرد كما قال:


2992 - تركنا الخيل والنعم المفدى     وقلنا للنساء بها أقيمي

ولذلك قال سيبويه: "وأما أفعال فقد يقع للواحد"، فقوله: "قد يقع للواحد" دليل على أنه ليس ذلك بالوضع، فقول الزمخشري : "أنه ذكره في الأسماء المفردة على أفعال"، تحريف في اللفظ، وفهم عن سيبويه ما لم يرده. ويدل على ما قلناه أن سيبويه حيث ذكر أبنية الأسماء المفردة نص على أن أفعالا ليس من أبنيتها. قال سيبويه في باب ما لحقته الزيادة من بنات الثلاثة: "وليس في الكلام أفعيل ولا أفعول ولا أفعال ولا أفعيل ولا أفعال، إلا أن تكسر عليه اسما للجمع". قال: "فهذا نص منه على أن أفعالا لا يكون في الأسماء المفردة".

قلت: الذي ذكره الزمخشري هو ظاهر عبارة سيبويه وهو كاف في تسويغ عود الضمير مفردا، وإن كان أفعال قد يقع موقع الواحد مجازا؛ فإن ذلك ليس بضائر فيما نحن بصدده، ولم يحرف لفظه، ولم يفهم عنه غير مراده، لما ذكرته من هذا المعنى الذي قصده.

وقيل: إنما ذكر الضمير لأنه يعود على البعض وهو الإناث; لأن الذكور [ ص: 256 ] لا ألبان لها، فكأن العبرة هي في بعض الأنعام. وقال الكسائي: "أي: في بطون ما ذكر". قال المبرد: "وهذا شائع في القرآن، قال تعالى: كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره ، أي: ذكر هذا الشيء. وقال تعالى: فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ، أي: هذا الشيء الطالع، ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازي، لا يجوز: "جاريتك ذهب". قلت: وعلى ذلك خرج قوله:


2993 - فيها خطوط من سواد وبلق     كأنه في الجلد توليع البهق

أي: كأن المذكور. وقيل: جمع التكسير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة ومعاملة الجمع، ففي هذه السورة اعتبر معنى الجمع، وفي سورة المؤمنين اعتبر معنى الجماعة، ومن الأول قول الشاعر:


2994 - مثل الفراخ نتفت حواصله

وقيل: لأنه يسد مسده واحد يفهم الجمع، فإنه يسد مسده "نعم"، و "نعم" يفهم الجمع، ومثله قوله: [ ص: 257 ]

2995 - وطاب ألبان اللقاح وبرد

لأنه يسد مسدها لبن، ومثله قولهم: "هو أحسن الفتيان وأجمله"، أي: أحسن فتى، إلا أن هذا لا ينقاس عند سيبويه وأتباعه.

وذكر أبو البقاء ستة أوجه، تقدم منها في غضون ما ذكرته خمسة. والسادس: أنه يعود على الفحل; لأن اللبن يكون من طرق الفحل الناقة، فأصل اللبن [ماء] الفحل قال: "وهذا ضعيف; لأن اللبن وإن نسب إلى الفحل فقد جمع البطون، وليس فحل الأنعام واحدا ولا للواحد بطون. فإن قال: أراد الجنس، فقد ذكر". يعني أنه قد تقدم أن التذكير باعتبار جنس الأنعام فلا حاجة إلى تقدير عوده على "فحل" المراد به الجنس. قلت: وهذا القول نقله مكي عن إسماعيل القاضي ولم يعقبه بنكير.

قوله: من بين فرث يجوز فيه أوجه، أحدها: أنه متعلق بالسقي، على أنها لابتداء الغاية، فإن جعلنا ما قبلها كذلك تعين أن يكون مجرورها بدلا من مجرور "من" الأولى; لئلا يتعلق عاملان متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد وهو ممتنع. وهو من بدل الاشتمال; لأن المكان مشتمل على ما حل فيه. وإن جعلتها للتبعيض هان الأمر.

الثاني: أنها في محل نصب على الحال من "لبنا"; إذ لو تأخرت [ ص: 258 ] لكانت مع مجرورها نعتا له. قال الزمخشري : "وإنما تقدم لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم".

الثالث: أنها مع مجرورها حال من الموصول قبلها.

والفرث: فضالة ما يبقى من العلف في الكرش، وكثيف ما يبقى من الأكل في المعي. ويقال: فرث كبده، أي: فتتها، وأفرث فلان فلانا: أوقعه في بلية تجري مجرى الفرث.

قوله: "لبنا" هو المفعول الثاني لنسقي. وقرئ: "سيغا" بتشديد الياء بزنة "سيد"، وتصريفه كتصريفه. وخففه عيسى بن عمر نحو: ميت وهين. ولا يجوز أن يكون فعلا; إذ كان يجب أن يكون "سوغا" كقول.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث