الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم

[ ص: 250 ] ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء تكرير لجملة ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ليبنى عليه عطف جملة وجئنا بك شهيدا على هؤلاء على جملة ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم .

ولما كان تكريرا أعيد نظير الجملة على صورة الجملة المؤكدة مقترنة بالواو ; ولأن في هذه الجملة زيادة وصف من أنفسهم فحصلت مغايرة مع الجملة السابقة ، والمغايرة مقتضية للعطف أيضا .

ومن دواعي تكرير مضمون الجملة السابقة أنه لبعد ما بين الجملتين بما اعترض بينهما من قوله تعالى ثم لا يؤذن للذين كفروا إلى قوله بما كانوا يفسدون ، فهو كالإعادة في قول لبيد :


فتنازعا سبطا يطير ظلاله كدخان مشعلة يشب ضرامها     مشمولة غلثت بنابت عرفج
كدخان نار ساطع أسنامهـا

مع أن الإعادة هنا أجدر ; لأن الفصل أطول .

وقد حصل من هذه الإعادة تأكيد التهديد والتسجيل .

وعدي فعل نبعث هنا بحرف ( في ) ، وعدي نظيره في الجملة السابقة بحرف ( من ) ليحصل التفنن بين المكررين تجديدا لنشاط السامعين .

وزيد في هذه الجملة أن الشهيد يكون من أنفسهم ; زيادة في التذكير بأن شهادة الرسل على الأمم شهادة لا مطعن لهم فيها ; لأنها شهود من قومهم ، لا يجد المشهود عليهم فيها مساغا للطعن .

[ ص: 251 ] ولم تخل أيضا بعد التعريض بالتحذير من صد الكافرين عن سبيل الله من حسن موقع تذكير المسلمين بنعمة الله عليهم ؛ إذ بعث فيهم شهيدا يشهد لهم بما ينفعهم وبما يضر أعداءهم .

والقول في بقية هذه الجملة مثل ما سبق في نظيرتها .

ولما بعث الشهداء للأمم الماضية مرادا به بعثهم يوم القيامة عبر عنه بالمضارع .

وجملة وجئنا بك شهيدا على هؤلاء يجوز أن تكون معطوفة على جملة ويوم نبعث كلها ، فالمعنى : وجئنا بك لما أرسلناك إلى أمتك شهيدا عليهم ، أي مقدرا أن تكون شهيدا عليهم يوم القيامة ; لأن النبيء صلى الله عليه وسلم لما كان حيا في آن نزول هذه الآية كان شهيدا في الحال والاستقبال ، فاختير لفظ الماضي في جئنا للإشارة إلى أنه مجيء حصل من يوم بعثته .

ويعلم من ذلك أنه يحصل يوم القيامة بطريق المساواة لبقية إخوانه الشهداء على الأمم ؛ إذ المقصود من ذلك كله تهديد قومه وتحذيرهم ، وهذا الوجه شديد المناسبة بأن يعطف عليه قوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب الآية .

وقد علمت من هذا أن جملة وجئنا بك شهيدا ليست معطوفة على ( نبعث ) بحيث تدخل في حيز الظرف ، وهو يوم ، بل معطوفة على مجموع جملة يوم نبعث ; لأن المقصود : وجئنا بك شهيدا من وقت إرسالك ، وعلى هذا يكون الكلام تم عند قوله من أنفسهم ، فيحسن الوقف عليه لذلك .

ويجوز أن تعطف على جملة نبعث من كل أمة شهيدا فتدخل في حيز الظرف ، ويكون الماضي مستعملا في معنى الاستقبال مجازا ; لتحقق وقوعه ، فشابه به ما حصل ومضى ، فيكون الوقف على قوله شهيدا ، ويتحصل من [ ص: 252 ] تغيير صيغة الفعل المضارع إلى الماضي تهيئة عطف ونزلنا عليك الكتاب .

ولم يوصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه من أنفسهم ; لأنه مبعوث إلى جميع الأمم ، وشهيد عليهم جميعا ، وأما وصفه بذلك في قوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم في سورة التوبة فذلك وصف كاشف اقتضاه مقام التذكير للمخاطبين من المنافقين الذين ضموا إلى الكفر بالله كفران نعمة بعث رسول إليهم من قومهم .

وليس في قوله على هؤلاء ما يقتضي تخصيص شهادته بكونها شهادة على المتحدث عنهم من أهل الشرك ، ولكن اقتصر عليهم ; لأن الكلام جار في تهديدهم وتحذيرهم .

و ( هؤلاء ) إشارة إلى حاضر في الذهن ، وهم المشركون الذين أكثر الحديث عليهم ، وقد تتبعت مواقع أمثال اسم الإشارة هذا في القرآن ، فرأيته يعنى به المشركون من أهل مكة ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى وجئنا بك على هؤلاء شهيدا في سورة النساء ، وقوله تعالى فإن يكفر بها هؤلاء في سورة الأنعام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث