الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  4153 (باب غزوة تبوك).

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أي هذا باب في بيان غزوة تبوك بفتح التاء المثناة من فوق، وضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وفي آخره كاف، وقيل: سميت تبوك بالعين التي أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الناس أن لا يحسوا من مائها شيئا، فسبق إليها رجلان وهي تبض بشيء من ماء فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فسبهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وقال لهما فيما ذكر القتبي: ما زلتما تبوكانها منذ اليوم. قال القتبي: فبذلك سميت العين تبوك، والتبوك كالنقش والحفر في الشيء.

                                                                                                                                                                                  ويرد هذا ما رواه مسلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم [ ص: 45 ] لا تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي" فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها تبوك قبل أن يأتيها، وفي رواية ابن إسحاق: "فقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم: من سبق إليها؟ قالوا: يا رسول الله، فلان وفلان وفلان" وفي رواية الواقدي: سبقه إليها أربعة من المنافقين معتب بن قشير، والحارث بن يزيد الطائي، ووديعة بن ثابت، ويزيد بن لصيت، وبينها وبين المدينة نحو أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وقال الكرماني: تبوك موضع بالشام.

                                                                                                                                                                                  قلت: فيه نظر؛ لأن أهل تقويم البلدان قالوا: تبوك بليدة بين الحجر والشام، وبها عين ونخيل، وقيل: كان أصحاب الأيكة بها، والمشهور ترك الصرف للتأنيث والعلمية، وجاء في البخاري حتى بلغ تبوكا؛ تغليبا للموضع، وغزوة تبوك هي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه.

                                                                                                                                                                                  وقال ابن سعد: خرج إليها رسول الله في رجب سنة تسع يوم الخميس، قالوا: بلغه صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم، وجذام، وعاملة، وغسان، وقدموا مقدما لهم إلى البلقاء، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي يريد؛ ليتأهبوا لذلك، وذلك في حر شديد، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وهو أثبت عندنا، وقال أبو عمر: الأثبت عندنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقال ابن سعد: فلما سار تخلف ابن أبي ومن كان معه، فقدم صلى الله عليه وسلم تبوك في ثلاثين ألفا من الناس، وكانت الخيل عشرة آلاف، وأقام بها عشرين يوما يقصر الصلاة، ولحقه بها أبو ذر وأبو خيثمة، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلق كيدا، وقدم في شهر رمضان سنة تسع.

                                                                                                                                                                                  وقال ابن الأثير في كتاب الصحابة عن أبي زرعة الرازي: شهد معه تبوك أربعون ألفا، وفي كتاب الحاكم عن أبي زرعة: سبعون ألفا، ويجوز أن يكون عد مرة المتبوع، ومرة التابع.

                                                                                                                                                                                  وقال البيهقي : وقد روي في سبب خروجه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وسبب رجوعه خبر إن صح، ثم ذكر من حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم : أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقا أنت نبي فالحق بالشام فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء عليهم السلام، فصدق ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها إلى قوله تحويلا وأمره تعالى بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك، وفيها مماتك، ومنها تبعث الحديث، وهو مرسل بإسناد حسن.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية