الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                [ ص: 118 ] الباب الثالث

                                                                                                                في

                                                                                                                التعزير

                                                                                                                وفي الجواهر : والنظر في موجبه وجنسه ومستوفيه ، أما موجبه : فهو معصية الله تعالى في حقه أو حق آدمي ، وأما قدره ، فلا حد له ، فلا يقدر أقله ولا أكثره ، بل بحسب اجتهاد الإمام على قدر الجناية ، ويلزم الاقتصار على دون الحدود ، ولا له النهاية إلى حد القتل ، وأما جنسه : فلا يختص بسوط ، أو حد ، أو حبس ، أو غيره ، بل اجتهاد الإمام ، وكان الخلفاء المتقدمون يعاملون بقدر الجاني والجناية ، فمنهم من يضرب ، ومنهم من يحبس ، ومنهم من يقام على قدميه في تلك المحافل ، ومنهم من تنزع عمامته ، ومنهم من يحل إزاره . ويعتبر في ذلك قول القائل ، والمقول له ، والمقول ، فإن كان القائل ممن لا قدر له ، أو عرف بالأذى ، والمقول له من أهل المروءة ، فعقوبته أشد ، أو من أهل الخمر ، فعقوبته أخف ، إلا أن تخف الجناية جدا ، فلا يعاقب ويزجر بالقول إن كان القائل ممن له قدر ، معروفا بالخير . والمقول له على غير ذلك ، زجر بالقول . قال مالك : وقد يتجافى السلطان عن الفلتة من ذوي المروءة . وفي الكتاب : إن قال : يا سارق ، نكل ، أو قال : سرق متاعي ، والمقول فيه يتهم ، فلا شيء عليه ، والأنكل ، وإن ناداه ، يا شارب الخمر ، ونحوه ، نكل ، ويا برون ، أو يا حمار ، أو بما يؤذيه ، نكل .

                                                                                                                [ ص: 119 ] ويجوز العفو والشفاعة في النكال وإن بلغ الإمام ; لأنه حق لآدمي صرف . قال مالك : إذا انتهى للإمام والجاني من أهل العفاف والمروءة ، ووقع ذلك منه فلتة ، تجافى الإمام عنه ، أو من أهل الأذية ، فلا يقله ، ولينكله . قال الأستاذ أبو بكر : وظاهر هذه الإطلاقات يقتضي أن التعزير واجب إذا قام به صاحبه ، وإن لم يطالب لم يعزر . ولم يفصل أصحابنا بين حق الآدمي وغيره ، بل أطلقوا عدم الوجوب عند عدم القيام ، وينبغي التفصيل .

                                                                                                                فرع :

                                                                                                                قال : والمعتبر في الدفع : القرآن ، والعلم ، والآداب الإسلامية ، وفي الزناة : الجهل ، ( قاله الأستاذ أبو بكر ) . وأما المستوفي للتعزير : فهو الإمام ، والأب ، والسيد ، ويؤدب الصغير دون الكبير ، ويؤدبه معلمه ، وصاحبه ، ويعزر السيد في حقه وحق الله تعالى ، والزوج في النشوز وما يشبهه مما يتعلق بمنع حقه ; لأن التعزير لو جعل لعامة الناس ; لأدى لتواثب السفهاء للأذية ، وكثرة الهرج والفتن ، والتعزير جائز بشرط سلامة العاقبة ، فإن سرى ضمنت عاقلته بخلاف الحد ; لأن التعزير باجتهاد ، والحد مقدر لا مدخل له فيه ، فلو لم تترك المرأة النشوز إلا بضرب مخوف ، لم يجز تعزيرها أصلا .

                                                                                                                تنبيه : قال إمام الحرمين : متى كان الجاني ينزجر بالكلمة أو بالضربة الواحدة ، لم تجز الزيادة ; لأن الأذية مفسدة يقتصر منها على ما يدرأ المفاسد ، وإن [ ص: 120 ] كان لا ينزجر بالعقوبة اللائقة بتلك الجناية ، بل بالمخوفة ، حرم تأديبه مطلقا ، أما اللائق به فإنه لا يفيد ، فهو مفسدة بغير فائدة ، وأما الزيادة المهلكة : فإن سببها لم يوجد ، والصغار والكبار في تلك سواء .

                                                                                                                فرع :

                                                                                                                في الموازية : قال محمد : إذا بلغ التعزير قدر الحد ، ضرب عريانا .

                                                                                                                تنبيه : قال ( ح ) : لا يجاوز به أقل الحدود وهو أربعون حد العبد ، بل ينقص منه سوط ، والتعزير واجب لا يجوز للإمام تركه ، إلا إذا غلب على ظنه أن غير الضرب مصلحة من الملامة والكلام . وعند ( ش ) قولان في المجاوزة به ، وهو عنده غير واجب على الإمام ، إن شاء أقامه أو تركه . لنا في المسألة قضاء الصحابة - رضي الله عنهم - : زور معن بن زائدة كتابا على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ونقش خاتمه مثل نقش خاتمه ، فجلده مائة ، فشفع فيه فقال : أذكرني الطعن ، وكنت ناسيا ، فجلده مائة أخرى ، ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ، وكان رجل يأتي الناس في أسواقهم ومجالسهم ، فيقول : ( والذاريات ذروا ) ، ويقول : ( والنازعات غرقا ) ما الذاريات ؟ ما النازعات ؟ ما الفارقات ؟ ما الحاملات ؟ ما الذاريات ؟ وكان يتهم بالحرورية ، فكتب أبو موسى إلى عمر [ ص: 121 ] - رضي الله عنهما - فيه فأمر بإقدامه عليه ، فقال له عمر : عم تسأل ؟ تسأل عن الذاريات والنازعات ؟ فضربه عمر - رضي الله عنه - بجريد النخل حتى أدمى جسده كله ، ثم حبسه حتى كاد يبرأ ، فضربه ، وسجنه ، فعل ذلك به مرارا ، فقال يا أمير المؤمنين : إن كنت تريد قتلي ، فأوجز ، وإن كنت تريد الدواء ، فقد بلغ الدواء مني ، فأطلقه وأمره أن لا يجالس أحدا ، إلى أن كتب إليه أبو موسى : إنه قد حسن حاله ، فأمر بمجالسته ، ولم ينكره أحد من الصحابة فكان إجماعا . وقتل رجل عبدا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر به فجلد مائة جلدة ، وقال : لا تقبلوا له شهادة ; ولأن الله تعالى جعل الحدود مختلفة بحسب الجنايات ، فالزنا أعظم جناية وعقوبة من القذف ، والسرقة أعظم منهما ، والحرابة أعظم من الكل ، فوجب أن تختلف التعازير . وتكون على قدر الجنايات في الزجر فإذا زادت على موجب الحد زاد التعزير ، احتجوا بما في الصحيحين : قال - عليه السلام - : ( لا يجلد فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله ) ، واحتج ( ش ) بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعزر الأنصاري لما قال له : أن كان ابن عمتك - يعني ابن الزبير - الحديث ولأنه غير مقدر ، فلا يجب ، كضرب الأب ، والمعلم ، والزوج .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أنه خلاف مذهبكم ; لأنكم تزيدون على العشر ، أو لأنه محمول على اتباع السلف ، كماقال الحسن : إنكم لتأتون أمورا هي في أعينكم أدق من الشعيرة إن كنا لنعدها من الموبقات ، فكان يكفهم قليل التعزير [ ص: 122 ] ثم تتابع الناس في المعاصي حتى زوروا خاتما على خاتم عمر ، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز ، تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور . ولم يرد نسخ حكم ، بل المجتهد فيه يستقل فيه بالاجتهاد .

                                                                                                                وعن الثاني : أنه حقه - عليه السلام - فله تركه ، أو لأن تلك الكلمات كانت تصدر ، ولم يقصد بها الاهتضام ، من جفاة الأعراب .

                                                                                                                وعن الثالث : أنه ينتقض برياضة الدابة إذا استؤجر عليها ، وقد يجب غير المقدر كنفقات الزوجات والأقارب ، ونصيب الإنسان في بيت المال غير المقدر ، وهو يجب .

                                                                                                                فرع :

                                                                                                                في النوادر : قال مالك : إن شتمه جده ، أوعمه ، أو خاله ، فلا شيء عليه إن كان تأديبا ولم ير الأخ مثلهم .

                                                                                                                فائدة : التعزير . قيل : لفظ مشترك بين الإهانة والإكرام ، لقوله تعالى : ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ) ، وقيل : بل معناه : المنع ، فتعزير الجناة : منعهم من العود إلى الجنايات ، وتعزير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : منعه من المكاره .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية