الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة الإسراء

سورة الإسراء

272 - قوله تعالى : ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا . وخصت سورة الكهف بقوله : أجرا حسنا ؛ لأن الأجر في السورتين : الجنة . والكبير والحسن من أوصافها ، لكن خصت هذه السورة بالكبير موافقة لفواصل الآي قبلها وبعدها ، وهي : حصيرا " 8 " ، أليما " 10 " عجولا " 11 " . وجلها وقع قبل آخرها مدة ، وكذلك في سورة الكهف جاء على [ ص: 164 ] ما تقتضيه الآيات قبلها وبعدها ، وهي : عوجا ، أبدا ، ولدا . وجلها قبل آخرها متحرك .

وأما رفع يبشر في " سبحان " ، ونصبها في الكهف ؛ فليس من المتشابه .

273 - قوله : لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ، وقوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ، وقوله : ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ، فيها بعض المتشابه ، ويشبه التكرار ، وليس بتكرار ؛ لأن الأولى في الدنيا ، والثالثة في العقبى . ( الثانية ) الخطاب فيها للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به غيره ، وذلك أن امرأة بعثت صبيا لها إليه مرة بعد أخرى تسأله قميصا ، ولم يكن عليه ولا له - صلى الله عليه وسلم - قميص غيره ، فنزعه ودفعه إليه ، فدخل وقت الصلاة فلم يخرج حياء ، فدخل عليه أصحابه فوجدوه على تلك الحالة ، فلاموه على ذلك ، فأنزل الله تعالى : فتقعد ملوما يلومك الناس محسورا مكشوفا . هذا هو الأظهر من تفسيره .

274 - قوله : ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ، وفي آخر السورة : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن . إنما لم يذكر في أول " سبحان " : " الناس " ؛ لتقدم ذكرهم في السورة ، وذكرهم في آخر السورة " 89 " ، وذكرهم في الكهف ، إذ لم يجر ذكرهم ؛ لأن ذكر الإنس والجن جرى معا ؛ فذكر الناس كراهة [ ص: 165 ] الالتباس .

وقدمه على قوله : " في هذا القرآن " كما قدمه في قوله : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ، ثم قال : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن . .

وأما في الكهف فقدم : في هذا القرآن ؛ لأن ذكره جل الغرض ، وذلك أن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين ، فأوحى الله إليه في القرآن ، فكان تقديمه في هذا الموضع أجدر ، والعناية بذكره أحرى .

275 - قوله : وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ، ثم أعادها في آخر السورة بعينها ، من غير زيادة ولا نقصان " 98 " ؛ لأن هذا ليس بتكرار ، فإن الأول من كلامهم في الدنيا ، حين جادلوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنكروا البعث . والثاني من كلام الله تعالى ، حين جازاهم على كفرهم ، وقولهم ، وإنكارهم البعث ، فقال : مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا .

276 - قوله : ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ، وفي الكهف : ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا ، اقتصر في هذه السورة على الإشارة لتقدم ذكر جهنم .

ولم يقتصر في الكهف على الإشارة دون العبارة لما اقترن بقوله : [ ص: 166 ] " جنات " ، فقال : جزاؤهم جهنم بما كفروا الآية . ثم قال : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ليكون الوعد والوعيد كلاهما ظاهرين للمستمعين .

277 - قوله : قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ، وفي سبإ : ادعوا الذين زعمتم من دون الله ؛ لأنه يعود إلى الرب ( في هذه السورة ) ، وقد تقدم ذكره في الآية الأولى وهو قوله : وربك أعلم ، وفي سبإ لو ذكر بالكناية لكان يعود إلى الله كما صرح ، فعاد إليه ؛ وبينه وبين ذكره سبحانه صريحا أربع عشرة آية ، فلما طالت الآيات صرح ولم يكن .

278 - قوله : أرأيتك هذا الذي ، وفي غيرها : " أرأيت " ؛ لأن ترادف الخطاب يدل على أن المخاطب به أمر عظيم ، وخطب فظيع ، وهكذا هو في هذه السورة ؛ لأنه - لعنه الله - ضمن أخطال ذرية بني آدم عن آخرهم إلا قليلا ، ومثل هذا : " أرأيتكم " في الأنعام في موضعين ، وقد سبق .

279 - قوله : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ، وفي الكهف بزيادة : ويستغفروا ربهم ؛ لأن ما في هذه السورة معناه : ما منعهم عن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إلا قولهم : أبعث الله بشرا رسولا ، هلا بعث ملكا ؟ وجهلوا أن التجانس يورث التآنس ، والتغاير يورث التنافر . وما في الكهف معناه : ما منعهم عن الإيمان والاستغفار إلا إتيان سنة الأولين .

[ ص: 167 ] قال الزجاج : إلا طلب سنة الأولين ، وهو قوله : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ، فزاد : ويستغفروا ربهم لاتصاله بقوله : سنة الأولين وهم : قوم نوح ، وهود وصالح ، وشعيب ، كلهم أمروا بالاستغفار . فنوح يقول : ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا . وصالح يقول : فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب . وشعيب يقول : واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ، فلما خوفهم سنة الأولين أجرى المخاطبين مجراهم .

280 - قوله : قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ، وفي العنكبوت : قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا كما في الفتح : وكفى بالله شهيدا ، والرعد : قل كفى بالله شهيدا ، ومثله : كفى بالله نصيرا ، " وكفى بالله حسيبا " ، فجاء في الرعد وسبحان على الأصل ، وفي العنكبوت آخر : شهيدا ؛ لأنه لما وصفه بقوله : يعلم ما في السماوات والأرض طال فلم يجز الفصل به .

281 - قوله : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر ، وفي الأحقاف : بقادر ، وفي يس " 81 " ؛ لأن ما في هذه السورة خبر أن ، وما في يس خبر ليس ، فدخل الباء الخبر ، وكان القياس ألا يدخل في ( حم الأحقاف ) ، ولكنه شابه ليس لما ترادف النفي ، وهو قوله : أولم يروا ، [ ص: 168 ] ولم يعي ، وفي هذه السورة نفي واحد ، وأكثر أحكام المتشابه في العربية ثبت من وجهين ، قياسا على باب ما لا ينصرف وغيره .

282 - قوله : إني لأظنك يا موسى مسحورا ، قابل موسى - عليه السلام - كل كلمة من فرعون بكلمة من نفسه ، فقال : وإني لأظنك يا فرعون مثبورا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث