الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 470 ] القول في تأويل قوله ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ( 75 ) )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بقوله : " وكذلك " وكما أريناه البصيرة في دينه ، والحق في خلافه ما كانوا عليه من الضلال ، نريه ملكوت السماوات والأرض يعني ملكه .

وزيدت فيه " التاء " كما زيدت في " الجبروت " من " الجبر " وكما قيل : " رهبوت خير من رحموت " بمعنى : رهبة خير من رحمة . وحكي عن العرب سماعا : " له ملكوت اليمن والعراق " بمعنى : له ملك ذلك .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " .

فقال بعضهم : معنى ذلك : نريه خلق السماوات والأرض .

ذكر من قال ذلك :

13441 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " أي : خلق السماوات والأرض .

13442 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، [ ص: 471 ] عن قتادة : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " أي : خلق السماوات والأرض " وليكون من الموقنين " .

13443 - حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " يعني ب " ملكوت السماوات والأرض " خلق السماوات والأرض .

وقال آخرون : معنى " الملكوت " الملك ، بنحو التأويل الذي تأولناه .

ذكر من قال ذلك :

13444 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا يحيى بن واضح قال : حدثنا عمر بن أبي زائدة قال : سمعت عكرمة ، وسأله رجل عن قوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال : هو الملك ، غير أنه بكلام النبط : " ملكوتا " .

13445 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن ابن أبي زائدة ، عن عكرمة قال : هي بالنبطية : " ملكوتا " .

وقال آخرون : معنى ذلك : آيات السماوات والأرض .

ذكر من قال ذلك :

13446 - حدثنا هناد بن السري قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : " نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال : آيات السماوات والأرض . [ ص: 472 ]

13447 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله - تعالى ذكره - : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال : آيات .

13448 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال : تفرجت لإبراهيم السماوات السبع حتى العرش ، فنظر فيهن ، وتفرجت له الأرضون السبع ، فنظر فيهن .

13449 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " قال : أقيم على صخرة وفتحت له السماوات ، فنظر إلى ملك الله فيها ، حتى نظر إلى مكانه في الجنة . وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرض ، فذلك قوله : ( وآتيناه أجره في الدنيا ) [ سورة العنكبوت : 27 ] ، يقول : آتيناه مكانه في الجنة ، ويقال : " أجره " الثناء الحسن .

13450 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد قوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال : فرجت له السماوات فنظر إلى ما فيهن ، حتى انتهى بصره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع فنظر ما فيهن .

13451 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال : كشف له عن أديم السماوات والأرض ، حتى نظر إليهن على صخرة ، والصخرة على حوت ، والحوت على خاتم رب العزة لا إله إلا الله .

13452 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا : حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم ، [ ص: 473 ] عن أبي عثمان ، عن سلمان قال : لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، رأى عبدا على فاحشة ، فدعا عليه ، فهلك . ثم رأى آخر على فاحشة ، فدعا عليه فهلك . ثم رأى آخر على فاحشة ، فدعا عليه فهلك . فقال : أنزلوا عبدي لا يهلك عبادي !

13453 - حدثنا هناد قال : حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء قال : لما رفع الله إبراهيم في الملكوت في السماوات ، أشرف فرأى عبدا يزني ، فدعا عليه ، فهلك . ثم رفع فأشرف ، فرأى عبدا يزني ، فدعا عليه ، فهلك . ثم رفع فأشرف ، فرأى عبدا يزني ، فدعا عليه ، فنودي : على رسلك يا إبراهيم ، فإنك عبد مستجاب لك ، وإني من عبدي على ثلاث : إما أن يتوب إلي فأتوب عليه ، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة ، وإما أن يتمادى فيما هو فيه ، فأنا من ورائه .

13454 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب ، عن عوف ، عن أسامة : أن إبراهيم خليل الرحمن حدث نفسه أنه أرحم الخلق ، وأن الله رفعه حتى أشرف على أهل الأرض ، فأبصر أعمالهم . فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال : اللهم دمر عليهم ! فقال له ربه : أنا أرحم بعبادي منك ، اهبط ، فلعلهم أن يتوبوا إلي ويراجعوا .

وقال آخرون : بل معنى ذلك ، ما أخبر تعالى أنه أراه من النجوم والقمر والشمس .

ذكر من قال ذلك :

13455 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ، عن الضحاك : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال : الشمس والقمر والنجوم . [ ص: 474 ]

13456 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال : الشمس والقمر .

13457 - حدثنا المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " يعني به الشمس والقمر والنجوم .

13458 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : خبئ إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - من جبار من الجبابرة ، فجعل له رزقه في أصابعه ، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقا . فلما خرج ، أراه الله ملكوت السماوات والأرض . فكان ملكوت السماوات : الشمس والقمر والنجوم ، وملكوت الأرض : الجبال والشجر والبحار .

13459 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ذكر لنا أن نبي الله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ، فر به من جبار مترف ، فجعل في سرب ، وجعل رزقه في أطرافه ، فجعل لا يمص إصبعا من أصابعه إلا وجد فيها رزقا . فلما خرج من ذلك السرب ، أراه الله ملكوت السماوات ، فأراه شمسا وقمرا ونجوما وسحابا وخلقا عظيما ، وأراه ملكوت الأرض ، فأراه جبالا وبحورا وأنهارا وشجرا ومن كل الدواب وخلقا عظيما . [ ص: 475 ]

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قول من قال : عنى الله - تعالى ذكره - بقوله : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " أنه أراه ملك السماوات والأرض ، وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما ، وجلى له بواطن الأمور وظواهرها ، لما ذكرنا قبل من معنى " الملكوت " في كلام العرب ، فيما مضى قبل .

وأما قوله : " وليكون من الموقنين " فإنه يعني أنه أراه ملكوت السماوات والأرض ، ليكون ممن يقر بتوحيد الله ، ويعلم حقيقة ما هداه له وبصره إياه ، من معرفة وحدانيته ، وما عليه قومه من الضلالة ، من عبادتهم الأصنام ، واتخاذهم إياها آلهة دون الله تعالى .

وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك ، ما : -

13460 - حدثني به محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " وليكون من الموقنين " أنه جلى له الأمر سره وعلانيته ، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق . فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب ، قال الله : إنك لا تستطيع هذا ! فرده الله كما كان قبل ذلك .

فتأويل ذلك على هذا التأويل : أريناه ملكوت السماوات والأرض ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسا لا خبرا . [ ص: 476 ]

13461 - حدثني العباس بن الوليد قال أخبرني أبي قال : حدثنا ابن جابر قال وحدثنا الأوزاعي أيضا قال : حدثني خالد بن اللجلاج قال : سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات غداة ، فقال له قائل : ما رأيتك أسفر وجها منك الغداة ! قال : وما لي ، وقد تبدى لي ربي في أحسن صورة ، فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى ، يا محمد ؟ قلت : أنت أعلم [ يا رب ] ! فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي ، فعلمت ما في السماوات والأرض . ثم تلا هذه الآية : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين " .

التالي السابق


الخدمات العلمية