الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          1768 - مسألة : وجائز للموصي أن يرجع في كل ما أوصى به إلا الوصية بعتق مملوك له يملكه حين الوصية فإنه ليس له أن يرجع فيه أصلا إلا بإخراجه إياه عن ملكه بهبة أو بيع أو غير ذلك من وجوه التمليك .

                                                                                                                                                                                          وأما من أوصى بأن يعتق عنه رقبة فله أن يرجع في ذلك وقد اختلف الناس في هذا - : روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا همام بن يحيى عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن أبي ربيعة : أن عمر بن الخطاب قال : يحدث الله في وصيته ما شاء ، وملاك الوصية آخرها .

                                                                                                                                                                                          وصح عن طاوس ، وعطاء ، وأبي الشعثاء جابر بن زيد ، وقتادة ، والزهري : أن للموصي أن يرجع في وصيته عتقا كان أو غيره - .

                                                                                                                                                                                          وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي .

                                                                                                                                                                                          وقال آخرون : بخلاف ذلك - : روينا عن إبراهيم النخعي فيمن أوصى إن مات أن يعتق غلام له ؟ فقال : أليس له أن يرده في الرق ، وليس العتق كسائر الوصية .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق ، والضحاك بن مخلد ، كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي قال : كل صاحب وصية يرجع فيها إلا العتاقة .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن شبرمة وغيره من علماء أهل الكوفة ، قالوا : كل صاحب وصية يرجع فيها إلا العتاقة - وبه يقول سفيان الثوري .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : احتج المجيزون للرجوع في العتق في الوصية بأنه قول صاحب لا يعرف له مخالف من الصحابة ، وبأنهم قاسوه على سائر الوصايا - ما نعلم لهم شيئا تعلقوا به غير هذا ، وكله لا متعلق لهم به

                                                                                                                                                                                          أما قولهم : إنه قول صاحب لا يعرف له مخالف من الصحابة ؟ فلا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورب قضية خالفوا فيها عمر ولا يعرف له [ ص: 392 ] مخالف في ذلك من الصحابة كقوله في اليربوع يصيبه المحرم بعناق ، وفي الأرنب بجدي وسائر ذلك مما قد تقصيناه في مواضعه .

                                                                                                                                                                                          والحمد لله رب العالمين على ذلك .

                                                                                                                                                                                          وأما قياسهم لذلك على سائر الوصايا فالقياس كله باطل ، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل ; لأن الحنفيين ، والمالكيين لا يجيزون الرجوع في التدبير ، ولا بيع المدبر ، وهذه وصية بالعتق في كل حال ; لأنه عتق لما لا يجب إلا بالموت ، ولا يخرج إلا من الثلث وهذه صفة سائر الوصايا .

                                                                                                                                                                                          وأعجب شيء تبديئهم العتق على سائر الوصايا وتأكيدهم إياه ، وتغليظهم فيه ، ثم سووه هاهنا بسائر الوصايا ؟ فاعجبوا لهذه الآراء وهذه المقاييس ؟ والشافعي في أحد قوليه لا يجيز الرجوع في التدبير ، وهو عنده وصية بالعتق - وهذا تناقض لا خفاء به ، وقياس الوصية بالعتق على الوصية بالعتق أولى من قياس الوصية بالعتق على الوصية بغير العتق ، وكلهم لا يجيز الرجوع في العتق بالصفة البتة والوصية بالعتق عتق بصفة فعاد قياسهم عليهم فإذ قد بطل قولهم فعلينا بعون الله تعالى أن نأتي بالبرهان على صحة قولنا .

                                                                                                                                                                                          فنقول - وبالله تعالى التوفيق - : قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } وكان عهده بعتقه عبده إن مات عقدا مأمورا بالوفاء به ، وما هذه صفته فلا يحل الرجوع فيه .

                                                                                                                                                                                          وأما سائر الوصايا فإنما هي مواعيد ، والوعد لا يلزم إنفاذه على ما ذكرنا في " باب النذر " من هذا الديوان والحمد لله رب العالمين .

                                                                                                                                                                                          وأما الوصية بأن يعتق عنه رقبة غير معينة ، فإنما هو أمر وهم بحسنة فلم ينفذها ؟ فله ذلك ، وليس عقدا - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وأما إذا أخرجه عن ملكه فقد فعل ما هو مباح له ، فإذ صار في ملك غيره فقد بطل عقده فيه : لقول الله تعالى : ( { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ) فإن عاد إلى ملكه لم يرجع العقد ; لأن ما بطل بواجب فلا يعود إلا بنص ولا نص [ ص: 393 ] في عودته ، فلو أخرج بعضه عن ملكه ، بطل العقد فيما سقط ملكه عنه ، وبقي العقد فيما بقي في ملكه .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية