الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب التاسع في المباحث المتعلقة بقولنا الله

الباب التاسع

في المباحث المتعلقة بقولنا : " الله " ، وفيه مسائل

المسألة الأولى : المختار عندنا أن هذا اللفظ اسم علم لله تعالى ، وأنه ليس بمشتق البتة ، وهو قول [ ص: 132 ] الخليل وسيبويه ، وقول أكثر الأصوليين والفقهاء ، ويدل عليه وجوه وحجج :

الحجة الأولى : أنه لو كان لفظا مشتقا لكان معناه معنى كليا لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه ؛ لأن اللفظ المشتق لا يفيد إلا أنه شيء ما مبهم حصل له ذلك المشتق منه ، وهذا المفهوم لا يمنع من وقوع الشركة فيه بين كثيرين ، فثبت أن هذا اللفظ لو كان مشتقا لم يمنع وقوع الشركة فيه بين كثيرين ، ولو كان كذلك لما كان قولنا : " لا إله إلا الله " توحيدا حقا مانعا من وقوع الشركة فيه بين كثيرين ؛ لأن بتقدير أن يكون الله لفظا مشتقا كان قولنا : " الله " غير مانع من أن يدخل تحته أشخاص كثيرة ، وحينئذ لا يكون قولنا : " لا إله إلا الله " موجبا للتوحيد المحض ، وحيث أجمع العقلاء على أن قولنا : " لا إله إلا الله " يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا : " الله " اسم علم موضوع لتلك الذات المعينة ، وأنها ليست من الألفاظ المشتقة .

الحجة الثانية : أن من أراد أن يذكر ذاتا معينة ثم يذكره بالصفات ، فإنه يذكر اسمه أولا ثم يذكر عقيب الاسم الصفات ، مثل أن يقول : زيد الفقيه النحوي الأصولي ، إذا عرفت هذا فنقول : إن كل من أراد أن يذكر الله تعالى بالصفات المقدسة فإنه يذكر أولا لفظة " الله " ثم يذكر عقيبه صفات المدائح مثل أن يقول : الله العالم القادر الحكيم ، ولا يعكسون هذا فلا يقولون : العالم القادر الله ، وذلك يدل على أن قولنا : " الله " اسم علم .

فإن قيل : أليس أنه تعالى قال في أول سورة إبراهيم : ( العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) [ إبراهيم : 1] ؟ قلنا : هاهنا قراءتان ، منهم من قرأ " الله " بالرفع ، وحينئذ يزول السؤال ؛ لأنه لما جعله مبتدأ فقد أخرجه عن جعله صفة لما قبله ، وأما من قرأ بالجر فهو نظير لقولنا : هذه الدار ملك للفاضل العالم زيد ، وليس المراد أنه جعل قوله " زيد " صفة للعالم الفاضل ، بل المعنى أنه لما قال : هذه الدار ملك للعالم الفاضل ، بقي الاشتباه في أنه من ذلك العالم الفاضل ؟ فقيل عقيبه : زيد ، ليصير هذا مزيلا لذلك الاشتباه ، ولما لم يلزم هاهنا أن يقال اسم العلم صار صفة ، فكذلك في هذه الآية .

الحجة الثالثة : قال تعالى : ( هل تعلم له سميا ) [ مريم : 65 ] وليس المراد من الاسم في هذه الآية الصفة ، وإلا لكذب قوله " هل تعلم له سميا " فوجب أن يكون المراد اسم العلم ، فكل من أثبت لله اسم علم قال : ليس ذاك إلا قولنا الله .

واحتج القائلون بأنه ليس اسم علم بوجوه وحجج :

الحجة الأولى : قوله تعالى : ( وهو الله في السماوات ) [ الأنعام : 3 ] وقوله : ( هو الله الذي لا إله إلا هو ) [ الحشر : 22 ] فإن قوله " الله " لا بد وأن يكون صفة ، ولا يجوز أن يكون اسم علم ، بدليل أنه لا يجوز أن يقال : هو زيد في البلد ، وهو بكر ، ويجوز أن يقال : هو العالم الزاهد في البلد ، وبهذا الطريق يعترض على قول النحويين : إن الضمير لا يقع موصوفا ولا صفة ، وإذا ثبت كونه صفة امتنع أن يكون اسم علم .

الحجة الثانية : أن اسم العلم قائم مقام الإشارة ، فلما كانت الإشارة ممتنعة في حق الله تعالى كان اسم العلم ممتنعا في حقه .

الحجة الثالثة : أن اسم العلم إنما يصار إليه ليتميز شخص عن شخص آخر يشبهه في الحقيقة والماهية ، وإذا كان هذا في حق الله ممتنعا ، كان القول بإثبات الاسم العلم محالا في حقه .

[ ص: 133 ] والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يكون ذلك جاريا مجرى أن يقال : هذا زيد الذي لا نظير له في العلم والزهد ؟ والجواب عن الثاني أن الاسم العلم هو الذي وضع لتعيين الذات المعينة ، ولا حاجة فيه إلى كون ذلك المسمى مشارا إليه بالحس أم لا ، وهذا هو الجواب عن الحجة الثالثة .

المسألة الثانية : الذين قالوا : إنه اسم مشتق ذكروا فيه فروعا :

الفرع الأول : أن الإله هو المعبود ، سواء عبد بحق أو بباطل ، ثم غلب في عرف الشرع على المعبود بالحق ، وعلى هذا التفسير لا يكون إلها في الأزل .

واعلم أنه تعالى هو المستحق للعبادة ، وذلك لأنه تعالى هو المنعم بجميع النعم أصولها وفروعها ، وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن ، والواجب واحد وهو الله تعالى ، وما سواه ممكن ، والممكن لا يوجب إلا بالمرجح ، فكل الممكنات إنما وجدت بإيجاده وتكوينه ، إما ابتداء وإما بواسطة ، فجميع ما حصل للعبد من أقسام النعم لم يحصل إلا من الله ، فثبت أن غاية الإنعام صادرة من الله ، والعبادة غاية التعظيم ، فإذا ثبت هذا فنقول : إن غاية التعظيم لا يليق إلا لمن صدرت عنه غاية الإنعام فثبت أن المستحق للعبودية ليس إلا الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث