الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 275 ] ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمائة فمن الحوادث فيها:

أن الصاحب بن عباد ورد إلى خدمة عضد الدولة عن مؤيد الدولة ، وعن نفسه؛ فتلقاه عضد الدولة على بعد من البلد ، وبالغ في إكرامه ، ورسم لأكابر كتابه وأصحابه يعظمونه ، وكانوا يغشونه مدة مقامه ، ولم يركب هو إلى أحد منهم ، وكان غرض عضد الدولة تأنيسه وإكرام مؤيد الدولة ، ووصلت كتب مؤيد الدولة يستطيل مقام الصاحب ويذكر اضطراب الأمور ببعده .

ثم إن عضد الدولة برز إلى ظاهر همذان في ربيع الآخر للمضي إلى بغداد ، وخلع على الصاحب الخلع الجميلة ، وحمله على فرس بمركب ذهب ، ونصب له دستا كاملا في خركاه تتصل بمضاربه ، وأقطعه ضياعا جليلة ، وحمل إلى مؤيد الدولة في صحبته ألطافا ، وورد عضد الدولة إلى بغداد ، فنزل بجسر النهروان في يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة ، وطلب من الطائع أن يتلقاه ، فخرج إليه الطائع من غد هذا اليوم ، فتلقاه وضربت له قباب وزينت له الأسواق .

قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان : لم تكن العادة جارية بخروج الخلفاء لتلقي أحد من الأمراء ، فلما توفيت فاطمة أخت معز الدولة أبي الحسين [ ص: 276 ] ركب المطيع إلى معز الدولة يعزيه عنها ، فنزل معز الدولة ، وقبل الأرض بين يديه ، وأكثر الشكر ، فلما صار عضد الدولة إلى بغداد في الدفعة الأخيرة مستوليا على الأمور فيها ، أنفذ أبا الحسن محمد بن عمر العلوي من معسكره ندبا إلى حضرة الطائع ، فوافى [ باب ] دار الخلافة نصف الليل ، وراسل بأنه قد حضر في مهم .

فجلس له الطائع وأوصله فقال: يا مولانا أمير المؤمنين ، قد ورد هذا الملك ، وهو من الملوك المتقدمين ، وجاري مجرى الأكاسرة المعظمين ، وقد أمل من مولانا التمييز عن من تقدمه ، والتشريف بالاستقبال الذي يتبين على جميل الرأي فيه ، فقال الطائع : نحن له معتقدون ، وعليه معتزمون ، وبه قبل السؤال متبرعون ، فأعلمه ذلك ، قال ابن حاجب النعمان : ولم يكن للطائع نية في ذلك ولا هم به ، لأنه علم أنه لا يجوز رده؛ فأحب أن يجعل المنة ابتداء منه .

قال محمد بن عمر : فعدت إلى عضد الدولة من وقتي ، فعرفته ما جرى فسر به ، وخرج الطائع من غد فتلقاه في دجلة ،

قال محمد بن عمر : فقال لي عضد الدولة ، هذه خدمة قد أحسنت القيام بها ، وبقيت أخرى لا نعرف فيها غيرك ، وهي منع العوام من لقائنا بدعاء وصياح . فقلت: يا مولانا تدخل إلى البلد قد تطلعت نفوس أهله إليك ، ثم تريد منهم السكوت ؟ ! فقال: ما نعرف في كفهم سواك! وكان أهل بغداد قد تلقوه مرة بالكلام السفيه ، فما أحب أن تدعو له تلك الألسنة . قال: فدعوت أصحاب المعونة ، وقلت: قد أمر الملك بكذا وتوعد ما يجري من ضده بضرب العنق ، فأشاعوا في العوام ذلك ، وخوفوا من ينطق بالقتل ، فاجتاز عضد الدولة ، فرأى الأمر على ما أراد ، فعجب من طاعة العوام لمحمد بن عمر ، فقال: هؤلاء أضعاف جندنا ، وقد أطاعوه ، فلو أراد بنا سوءا كان ، ورأى في روزنامج [ ص: 277 ] ألف ألف وثلاثمائة ألف درهم ، باسم محمد بن عمر مما أداه من معاملاته ، فقبض عليه واستولى على أمواله .

وفي ليلة الخميس الحادي عشر من جمادى الآخرة: زفت السيدة بنت عضد الدولة إلى الطائع ، وحمل معها من المال والثياب والأواني والفرش الكثيرة .

وفي هذا الشهر ورد رسول من صاحب اليمن إلى عضد الدولة ، ومعه الهدايا والملاطفات ما كان في جملته قطعة عنبر وزنها ستة وخمسون رطلا .

وزادت دجلة في هذه السنة زيادة مفرطة ، والفرات ، وانفجر بثق ، وسقطت قناطر الصراة فوقعت الجديدة في نصف ذي القعدة ، ووقعت العتيقة بعدها ، وكان يوم الأربعاء ، ثم وقع الشروع في عمل القنطرتين ، فأنفق عليهما المال الكثير ، وبنيتا البناء الوثيق .

وكان الصيدلاوي رجلا يقطع الطريق ، فاحتال عليه بعض الولاة ، فدس إليه جماعة من الصعاليك ، أظهروا الانحياز إليه ، فلما خالطوه قبضوا عليه ، وحملوه أسيرا إلى الكوفة ، فقتل وحمل رأسه إلى بغداد ،

وحج بالناس في هذه السنة أبو الفتح أحمد بن عمر بن يحيى العلوي ، وخطب بمكة والمدينة للمغربي صاحب مصر ،

التالي السابق


الخدمات العلمية