الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ما يقبل في شهادة الزنا

جزء التالي صفحة
السابق

1790 - مسألة : ولا يجوز أن يقبل في الزنى أقل من أربعة رجال عدول مسلمين ، أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان عدلتان ، فيكون ذلك ثلاثة رجال وامرأتين ، أو رجلين وأربع نسوة ، أو رجلا واحدا وست نسوة ، أو ثمان نسوة فقط .

ولا يقبل في سائر الحقوق كلها من الحدود والدماء ، وما فيه القصاص والنكاح ، والطلاق ، والرجعة ، والأموال ، إلا رجلان مسلمان عدلان ; أو رجلان وامرأتان كذلك ، أو أربع نسوة كذلك - ويقبل في كل ذلك - حاشا الحدود - رجل واحد عدل أو امرأتان كذلك مع يمين الطالب .

ويقبل في الرضاع وحده امرأة واحدة عدلة أو رجل واحد عدل .

فأما وجوب قبول أربعة في الزنى فبنص القرآن ، ولا خلاف فيه ، قال تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } .

وأما قبول رجلين في سائر الحقوق كلها ، أو رجل وامرأتين في الديون المؤجلة ، فإن الله تعالى قال : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } إلى قوله - { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء } وقال تعالى : { إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } إلى قوله - : { فأمسكوهن [ ص: 477 ] بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم } وادعى قوم : أن قبول عدلين من الرجال في سائر الأحكام قياسا على نص الله تعالى في الطلاق والرجعة .

واختلفوا في قبول شهادة النساء منفردات في شيء من الأشياء ، وفي قبولهن مع رجل فيما عدا الديون المؤجلة .

واختلف القائلون بقبولهن منفردات في كم يقبل منهن في ذلك .

واختلفوا أيضا في الشاهد ويمين الطالب ؟ فقال زفر صاحب أبي حنيفة : لا يجوز قبول النساء منفردات دون رجل في شيء أصلا ، لا في ولادة ولا في رضاع ، ولا في عيوب النساء ، ولا في غير ذلك - وأجازهن مع رجل في الطلاق ، والنكاح ، والعتق .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن برد عن مكحول قال : لا تجوز شهادة النساء إلا في الدين .

وروينا ضد هذا عن الشعبي كما روينا من طريق ابن أبي شيبة نا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال : من الشهادات شهادة لا يجوز فيها إلا شهادات النساء . [ ص: 478 ]

ومن طريق الزهري قال : مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن - وروينا من طريق ابن أبي سبرة عن موسى بن عقبة عن القعقاع عن ابن عمر : لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه غيرهن من عورات النساء وحملهن وحيضهن .

ومن طريق إبراهيم بن أبي يحيى عن ابن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي : لا تجوز شهادة النساء بحتا حتى يكون معهن رجل .

وعن عطاء مثل هذا - وعن عمر بن عبد العزيز مثله صح عنهما .

وعن سعيد بن المسيب ، وعبد الله بن عتبة : لا تقبل النساء إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن .

وروينا من طريق الحسن بن عمارة عن الزهري ، والحكم بن عتيبة ، قال الزهري : عن سعيد بن المسيب عن عمر ، وقال الحكم : عن علي ، ثم اتفق عمر ، وعلي : على أنه لا تجوز شهادة النساء في الطلاق ; ولا في النكاح ، ولا في الدماء ، ولا الحدود .

ومن طريق ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن أرطاة عن الزهري : مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده : أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود ، والنكاح ، والطلاق .

وصح عن إبراهيم النخعي : أنه لا تجوز شهادة النساء في الطلاق ، ولا في النكاح ، ولا في الحدود - وأجاز شهادة امرأتين مع رجل في العتق ، والوصية ، والدين .

وصح عن الحسن البصري : لا تجوز شهادة النساء في الحدود ، ولا في جراح العمد ، ولا في الطلاق ، ولا في النكاح ، ولا مع رجل ولا دونه ، وأنها جائزة في جراح الخطأ ، وفي الوصايا ، وفي الديون مع رجل ، وفيما لا بد منه .

وعن ابن المسيب لا تجوز شهادة النساء : في قتل ، ولا في حد ، ولا في طلاق ، ولا نكاح .

وعن قتادة : لا تجوز شهادة النساء : في طلاق ، ولا في نكاح . [ ص: 479 ]

وعن الزهري لا تقبل شهادة النساء : في حد ، ولا طلاق ، ولا نكاح ولا عتق - وأجازها : في الوصايا في الديون ، وفي القتل .

وعن عمر بن عبد العزيز : لا تجوز شهادة النساء في الطلاق .

وعن ربيعة : لا تجوز شهادة النساء في طلاق ، ولا نكاح ، ولا حد ، ولا عتق - وتجوز في البيوع ، وفي كل حق يتراضون فيه ، ويتعاطون المعروف عليه .

وعن محمد بن الحنفية : تجوز شهادة النساء في الدية .

وصح عن شريح : أنه أجاز شهادة امرأتين في عتاقة مع رجل .

وصح عن الشعبي : قبول شهادة رجل وامرأتين في الطلاق ، وجراح الخطأ ، ولم يجز شهادة النساء في جراح عمد ، ولا في حد .

وصح عن أبي الشعثاء جابر بن زيد : قبول النساء مع رجل في الطلاق والنكاح .

وصح عن إياس بن معاوية : قبول امرأتين في الطلاق .

وعن حماد بن أبي سليمان : لا تقبل النساء في الحدود .

ومن طريق الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين : أن شريحا أجاز شهادة أربع نسوة على رجل في صداق امرأة .

ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام بن حجير عمن يرضى - كأنه يريد طاوسا - قال : تجوز شهادة النساء في كل شيء مع الرجال ، إلا الزنى من أجل أنه لا ينبغي أن ينظرن إلى ذلك .

ومن طريق أبي عبيد نا يزيد - هو ابن هارون - عن جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت عن أبي لبيد قال : إن سكران طلق امرأته ثلاثا ، فشهد عليه أربع نسوة ، فرفع إلى عمر بن الخطاب ، فأجاز شهادة النسوة ، وفرق بينهما .

ومن طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي عن حراش بن مالك الجهضمي نا يحيى بن عبيد عن أبيه : أن رجلا من عمان تملأ من الشراب فطلق امرأته [ ص: 480 ] ثلاثا ، فشهد عليه نسوة ، فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب فأجاز شهادة النسوة ، وأبت عليه الطلاق .

ومن طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقري نا سفيان بن عيينة نا أبو طلق عن امرأة : أن امرأة وطئت صبيا فقتلته ، فشهد عليها أربع نسوة ، فأجاز علي بن أبي طالب شهادتهن .

ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة نا حفص بن غياث عن أبي طلق عن أخته هند بنت طلق قالت : كنت في نسوة وصبي مسجى ، فقامت امرأة فمرت فوطئته ، فقالت أم الصبي : قتلته والله ، فشهد عند علي عشر نسوة - أنا عاشرتهن - فقضى علي عليها بالدية وأعانها بألفين .

ومن طريق أبي عبيد نا هشيم عن حجاج بن أرطاة عن عطاء قال : أجاز عمر بن الخطاب شهادة النساء مع الرجال : في الطلاق ، والنكاح .

ومن طريق أبي عبيد نا يزيد عن حجاج عن عطاء بن أبي رباح : أنه أجاز شهادة النساء في النكاح .

ومن طريق محمد بن المثنى نا أبو معاوية - وهو محمد بن خازم الضرير - عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح قال : لو شهد عندي ثماني نسوة على امرأة بالزنى لرجمتها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث