الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              الآية الثالثة

                                                                                                                                                                                                              قوله تعالى : { وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا } .

                                                                                                                                                                                                              فيها اثنتا عشرة مسألة : المسألة الأولى : قد بينا قوله : { وأنزلنا من السماء ماء } في سورة المؤمنين ، فلا وجه لإعادته . المسألة الثانية : قوله { ماء طهورا } فوصف الماء بأنه طهور . واختلف الناس في معنى وصفه بأنه طهور على قولين : أحدهما : أنه بمعنى مطهر لغيره ؟ وبه قال مالك والشافعي ، وخلق كثير سواهما .

                                                                                                                                                                                                              والثاني : أنه بمعنى طاهر ، وبه قال أبو حنيفة ، وتعلق في ذلك بقوله تعالى : { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } يعني طاهرا ، إذا لا تكليف في الجنة . وقال الشاعر :

                                                                                                                                                                                                              خليلي هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي علي فجور     إلى رجح الأكفال هيف خصورها
                                                                                                                                                                                                              عذاب الثنايا ريقهن طهور

                                                                                                                                                                                                              فوصف الريق بأنه طاهر ، وليس بمعنى أنه يطهر .

                                                                                                                                                                                                              وتقول العرب : رجل نئوم ، وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره ، وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه ، ودليلنا قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } . وقال : [ ص: 436 ] { ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان } ، فبين أن وصف { طهورا } يفيد التطهير .

                                                                                                                                                                                                              وقال صلى الله عليه وسلم : { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا } . وأرادوا مطهرة بالتيمم ، ولم يرد طاهرة به ، وإن كانت قبل ذلك طاهرة . وقال في ماء البحر : { هو الطهور ماؤه } ، ولو لم يكن معنى الطهور المطهر لما كان جوابا لسؤالهم .

                                                                                                                                                                                                              وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف " طهور " مختص بالماء ، ولا يتعدى إلى سائر المائعات ، وهي طاهرة ، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن الطهور هو المطهر .

                                                                                                                                                                                                              فأما تعلقهم بوصف الله لشراب الجنة بأنه طهور ، والجنة لا تكليف فيها ، فلا حجة لهم فيها ; لأن الله تعالى أراد بذلك المبالغة في الصفة ، وضرب المثل بالمبالغة في الدنيا ، وهو التطهير .

                                                                                                                                                                                                              وقد قال علماؤنا : إن وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب ، وعن خسائس الصفات ، كالغل والحسد ، فإذا شربوا هذا الشراب طهرهم الله به من رحض الذنوب ، وأوضار الاعتقادات الذميمة ، فجاءوا الله بقلب سليم ، ودخلوا الجنة بصفة التسليم .

                                                                                                                                                                                                              وقيل لهم حينئذ : { سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } ، كما حكم في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء ، وهذه حكمته في الدنيا ، وتلك حكمته ورحمته في الأخرى . وأما قول الشاعر :

                                                                                                                                                                                                              ريقهن طهور

                                                                                                                                                                                                              فوصف الريق بأنه طهور ، وهو لا يطهر ، فإنما قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية ، أراد أنه لعذوبته ، وتعلقه بالقلوب ، وطيبه في النفوس ، وسكون غليل الحب برشفه ، كأنه الماء الطهور . [ ص: 437 ] وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازات الشعرية ، فإن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب ، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية ، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون ، ألا ترى إلى قول بعضهم :

                                                                                                                                                                                                              لو لم تلامس صفحة الأرض رجلها     لما كنت أدري علة للتيمم

                                                                                                                                                                                                              وهذا كفر صراح نعوذ بالله منه .

                                                                                                                                                                                                              قال الفقيه القاضي أبو بكر رحمه الله : هذا منتهى لباب كلام العلماء ، وهو بالغ في فنه ، إلا أني تأملته من طريق العربية فوجدت فيها مطلعا شريفا ، وهو أن بناء " فعول " للمبالغة ، إلا أن المبالغة قد تكون في الفعل المتعدي كما قال الشاعر :

                                                                                                                                                                                                              ضروب بنصل السيف سوق سمانها

                                                                                                                                                                                                              وقد تكون في الفعل القاصر كما قال الشاعر :

                                                                                                                                                                                                              نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

                                                                                                                                                                                                              فوصفه الأول بالمبالغة في الضرب ، وهو فعل يتعدى ، ووصفها الثاني بالمبالغة في النوم ، وهو فعل لا يتعدى ، وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحسن نظافة ، ومن الشرع طهارة ، كقوله : { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } .

                                                                                                                                                                                                              وقد يأتي بناء " فعول " لوجه آخر ، ليس من هذا كله ، وهو العبارة به عن آلة الفعل لا عن الفعل ، كقولنا : وقود وسحور بفتح الفاء " فإنه عبارة عن الحطب وعن الطعام المتسحر به ، وكذلك وصف الماء بأنه طهور يكون بفتح الطاء أيضا خبرا عن الآلة التي يتطهر بها . [ ص: 438 ]

                                                                                                                                                                                                              فإذ ضممت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل ، وكان خبرا عنه ، فثبت بهذا أن اسم الفعول بفتح الفاء يكون بناء للمبالغة ، ويكون خبرا عن الآلة ، وهذا الذي خطر ببال الحنفية ، ولكن قصرت أشداقها عن لوكه ، وبعد هذا يقف البيان به عن المبالغة ، أو عن الآلة على الدليل ، مثاله قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } . وقوله صلى الله عليه وسلم : { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا } .

                                                                                                                                                                                                              ويحتمل العبارة به عن الآلة ، فلا حجة فيه لعلمائنا .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية