الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة شهادة الأعمى

جزء التالي صفحة
السابق

1808 - مسألة : وشهادة الأعمى مقبولة كالصحيح .

وقد اختلف الناس في هذا ، فقالت طائفة كما قلنا .

وروي ذلك عن ابن عباس ، وصح ذلك عن الزهري ، وعطاء ، والقاسم بن محمد ، والشعبي ، وشريح ، وابن سيرين ، والحكم بن عتيبة ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن جريج ، وأحد قولي الحسن ، وأحد قولي إياس بن معاوية ، وأحد قولي ابن أبي ليلى - وهو قول مالك ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي سليمان ، وأصحابنا .

وقالت طائفة : تجوز شهادته فيما عرف قبل العمى ، ولا تجوز فيما عرف بعد العمى - وهو قول الحسن البصري ، وأحد قولي ابن أبي ليلى . [ ص: 533 ]

وهو قول أبي يوسف ، والشافعي ، وأصحابه .

وقالت طائفة : تجوز شهادته في الشيء اليسير - : روينا ذلك من طريق إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يجيزون شهادة الأعمى في الشيء الخفيف .

وقالت طائفة : لا تقبل في شيء أصلا ، إلا في الأنساب - وهو قول زفر ، رويناه من طريق عبد الرزاق عن وكيع عن أبي حنيفة ، ولا يعرف أصحابه هذه الرواية .

وقالت طائفة : لا تقبل جملة - روينا ذلك عن علي بن أبي طالب ، وعن إياس بن معاوية ، وعن الحسن ، والنخعي : أنهما كرها شهادة الأعمى .

وقال أبو حنيفة : لا تقبل في شيء أصلا ، لا فيما عرف قبل العمى ، ولا فيما عرف بعده .

قال أبو محمد : أما من أجازه في الشيء اليسير دون الكثير ، فقول في غاية الفساد ، لأنه لا برهان على صحته ، وما حرم الله تعالى من الكثير إلا ما حرم من القليل .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم : { من اقتطع بيمينه مال مسلم ولو قضيبا من أراك أوجب الله له النار } .

وأيضا فإنه ليس في العالم كثير إلا بالإضافة إلى ما هو أقل منه ، وهو قليل بالإضافة إلى ما هو أكثر منه - فهو قول لا يعقل فسقط .

وأما من قبله في الأنساب فقط فقسمة فاسدة ، فإنه لا يعرف الأنساب إلا من حيث يعرف المخبرين بغير ذلك والمشهدين له منهم فقط - فبطل هذا القول أيضا .

وأما من لم يقبله لا فيما عرف قبل العمى ولا بعده ، فقول فاسد لا برهان على صحته أصلا ، ولا فرق بين ما عرفه في حال صحته ، وبين ما عرفه الصحيح وتمادت صحته وبصره .

فإن قيل : هو قول روي عن علي بن أبي طالب .

قلنا : هذا كذب ، ما جاء قط عن علي أنه قال : لا يقبل فيما عرف قبل العمى - وما عرف هذا عن أحد قبل أبي حنيفة . [ ص: 534 ]

وأيضا - فإنه لا يصح عن علي ; لأنه من طريق الأسود بن قيس عن أشياخ من قومه أو عن الحجاج بن أرطاة - وقد روي عن ابن عباس خلاف ذلك - فسقط هذا القول .

وأما من أجازه فيما علم قبل العمى ، ولم يجزه فيما علم بعد العمى ، فإنهم احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : { أنه سئل عن الشهادة ؟ فقال : ألا ترى الشمس على مثلها فاشهد أو دع } .

قال أبو محمد : وهذا خبر لا يصح سنده ; لأنه من طريق محمد بن سليمان بن مسمول - وهو هالك - عن عبيد الله بن سلمة بن وهرام - وهو ضعيف - لكن معناه صحيح ، وقالوا : الأصوات قد تشتبه ، والأعمى كمن أشهد في ظلمة أو خلف حائط - ما نعلم لهم غير هذا .

قال أبو محمد : إن كانت الأصوات تشتبه فالصور أيضا قد تشتبه ، وما يجوز لمبصر ولا أعمى أن يشهد إلا بما يوقن ولا يشك فيه .

ومن أشهد خلف حائط أو في ظلمة فأيقن بلا شك بمن أشهده فشهادته مقبولة في ذلك .

ولو لم يقطع الأعمى بصحة اليقين على من يكلمه لما حل له أن يطأ امرأته ، إذ لعلها أجنبية ، ولا يعطي أحدا دينا عليه ، إذ لعله غيره ، ولا أن يبيع من أحد ولا أن يشتري .

وقد قبل الناس كلام أمهات المؤمنين من خلف الحجاب .

فإن قالوا : إنما حل له وطء امرأته بغلبة الظن ، كما يحل له ذلك في دخولها عليه أول مرة ولعلها غيرها .

قلنا : هذا باطل ولا يجوز له وطؤها حتى يوقن أنها التي تزوج .

وقد أمر الله تعالى بقبول البينة ، ولم يشترط أعمى من مبصر { وما كان ربك نسيا } .

وما نعلم في الضلالة بعد الشرك والكبائر أكبر ممن دان الله برد شهادة جابر بن عبد الله ، وابن أم كلثوم ، وابن عباس ، وابن عمر - .

ونعوذ بالله من الخذلان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث