الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون .

                          [ ص: 162 ] هذه الآيات الأربع خاتمة هذه السورة ، وهي في بيان ما أفادت رسول الله وخاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - من أنباء أشهر الرسل الأولين مع أقوامهم في نفسه ، وما تفيده المؤمنين بما جاء به ، وما يجب أن يبلغه غير المؤمنين به من الإنذار والتهديد لهم ، والإشارة إلى ما ينتظره كل فريق ، وأن عاقبته له لا لهم . ثم أمره بعبادته والتوكل عليه ، وعدم المبالاة بما يعملون من عداوته والكيد له ، قال - تعالى - :

                          - وكلا نقص عليك من أنباء الرسل - أي : وكل نوع من أنباء الرسل نقص عليك ونحدثك به على وجهه الذي يعلم من تتبعه واستقصائه به ، فإن معنى القص في الأصل تتبع أثر الشيء للإحاطة به ، ومنه : - وقالت لأخته قصيه - 28 : 11 ثم قيل : قص خبره إذا حدث به على وجهه الذي استقصاه ، والنبأ : الخبر المهم ، فهذه الكلية تشمل أنواع الأنباء المفيدة من قصص الرسل الصحيحة في صورها الكلامية وأساليبها البيانية ، وأنواع فوائدها العلمية ، وعبرها ومواعظها النفسية ، دون الأمور العادية المستغنى عن ذكرها ، كالتي تراها في سفر التكوين الذي يعدونه من التوراة وأمثاله - ما نثبت به فؤادك - أي : نقص منها عليك ما نثبت به فؤادك ، أي نقويه ونجعله راسخا في ثباته كالجبل في القيام بأعباء الرسالة ، ونشر الدعوة بما في هذه القصص من زيادة العلم بسنن الله في الأقوام ، وما قاساه رسلهم من الإيذاء فصبروا صبر الكرام - وجاءك في هذه الحق - أي : في هذه السورة - وهو المروي عن ابن عباس وأبي موسى الأشعري من الصحابة ، وسعيد بن جبير والحسن البصري من التابعين وعليه الجمهور - وقيل : في هذه الأنباء المقتصة عليك ، بيان الحق الذي دعا إليه جميع أولئك الرسل من أصل دين الله وأركانه ، وهو توحيده بعبادته وحده واتقائه واستغفاره والتوبة إليه ، وترك ما يسخطه من الفواحش والمنكرات والظلم والإجرام ، الإيمان بالبعث والجزاء والعمل الصالح - وموعظة وذكرى للمؤمنين - الذين يتعظون بما حل بالأمم من عقاب الله ، ويتذكرون ما فيها من عاقبة الظلم والفساد ، ونصره - تعالى - لمن نصره ، ونصر رسله ، فالمؤمنون هنا يشمل من كانوا آمنوا بالفعل ، والمستعدين للإيمان الذين آمنوا بهذه الموعظة والذكرى آمنوا بعد ، وفي هذه الآية من إعجاز الإيجاز ، ما يناسب إعجاز تلك القصص التي جمعت فوائدها بهذه الكلمات .

                          - وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم - أي فبشر به المؤمنين الذين يتعظون ويتذكرون ، وقل للكافرين الذين لا يؤمنون فلا يتعظون : اعملوا على ما في مكانتكم وتمكنكم واستطاعتكم من مقاومة الدعوة وإيذاء الداعي والمستجيبين له ، وهذا الأمر للتهديد والوعيد ، أي : فسوف تلقون جزاء ما تعملون من العقاب والخذلان - إنا عاملون - على مكانتنا من الثبات [ ص: 163 ] على الدعوة وتنفيذ أمر الله وطاعته - وانتظروا - بنا ما تتمنون لنا من انتهاء أمرنا بالموت أو غيره مما تتحدثون به ، ومنه ما حكاه - تعالى - عنهم في قوله : - أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون - 52 : 30 وما في معناه - إنا منتظرون - ما وعدنا ربنا من النصر وظهور هذا الدين كله ولو كره الكافرون ، وإتمام نوره ولو كره المشركون ، وعقاب المعاندين منهم في الدنيا بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين .

                          - ولله غيب السماوات والأرض - أي : وله وحده ما هو غائب عن علمك أيها الرسول وعن علمهم من فوقكم أو من تحت أرجلكم ، مما تنتظر من وعد الله لك ووعيده لهم ، ومما ينتظرون من أمانيهم وأوهامهم ، فهو المالك له المتصرف فيه ، العالم بما سيقع منه وبوقته الذي يقع فيه - وإليه يرجع الأمر كله - فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، قرأ الجمهور : ( يرجع ) بفتح الياء وكسر الجيم ، ونافع وحفص بضم الأولى وفتح الثانية ، والمعنى واحد - فاعبده وتوكل عليه - أي : وإذا كان له كل شيء ، وإليه يرجع كل أمر ، فاعبده كما أمرت بإخلاص الدين له وحده من عبادة شخصية قاصرة عليك ، ومن عبادة متعدية النفع لغيرك ، وهي الدعوة إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ، وتوكل عليه ليتم لك وعليك ما وعدك بما لا تبلغه استطاعتك ، فالتوكل لا يصح بغير العبادة والأخذ بالأسباب المستطاعة ، وإنما يكون بدونهما من التمني الكاذب والآمال الخادعة ، كما أن العبادة - وهي ما يراد به وجه الله من كل عمل - لا تكمل إلا بالتوكل الذي يكمل به التوحيد ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن شداد بن أوس بسند صحيح - وما ربك بغافل عما تعملون - جميعا ، ما تعمله أنت أيها النبي والمؤمنون من عبادته والتوكل عليه ، والصبر على أذى المشركين ، وتوطين النفس على مصابرتهم وجهادهم ، فهو يوفيكم جزاءه في الدنيا والآخرة ، وما يعمله المشركون من الكفر والكيد لكم ، وهذه قراءة نافع وحفص ، وقرأ الجمهور : " يعملون " بالتحتية ، وهي نص في وعيد المشركين وحدهم بالجزاء على جميع أعمالهم ، وقد صدق الله وعده ، ونصر عبده محمدا رسول الله وخاتم النبيين ، فالحمد لله رب العالمين .

                          ( تم تفسير السورة التفصيلي ويليه خلاصته الإجمالية )

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية