الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد

جزء التالي صفحة
السابق

هذا بلاغ أي ما ذكر من قوله سبحانه : ولا تحسبن الله غافلا إلى هنا وجوز أن يكون الإشارة إلى القرآن وهو المروي عن ابن زيد أو إلى السورة والتذكير باعتبار الخبر وهو بلاغ والكلام على الأول أبلغ فكأنه قيل : هذا المذكور آنفا كفاية في العظة والتذكير من غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورة الكريمة أو كل القرآن المجيد من فنون العظات والقوارع وأصل البلاغ مصدر بمعنى التبليغ وبهذا فسره الراغب في الآية وذكر مجيئه بمعنى الكفاية في آية أخرى للناس للكفار خاصة على تقدير اختصاص الإنذار بهم في قوله سبحانه : وأنذر الناس أو لهم وللمؤمنين كافة على تقدير شمولهم أيضا وإن كان ما شرح مختصا بالظالمين على ما قيل : ولينذروا به عطف على محذوف أي لينصحوا أو لينذروا به أو نحو ذلك فتكون اللام متعلقة بالبلاغ ويجوز أن تتعلق بمحذوف وتقديره ولينذروا به أنزل أو تلي وقال الماوردي : الواو زائدة وعن المبرد هو عطف مفرد على مفرد أي هذا بلاغ وإنذار ولعله تفسير معنى لا إعراب وقال ابن عطية : أي هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به فجعل ذلك خبرا لهو محذوفا وقيل اللام لام الأمر قال بعضهم : وهو حسن لولا قوله سبحانه : وليذكر فإنه منصوب لا غير وارتضى ذلك أبو حيان وقال : إن ما ذكر لا يخدشه إذ لا يتعين عطف ( ليذكر ) على الأمر بل يجوز أن يضمر له فعل يتعلق به ولا يخفى أنه تكلف وقرأ يحيى بن عمارة الذراع عن أبيه وأحمد بن يزيد السلمي ( ولينذروا ) بفتح الياء والذال مضارع نذر بالشيء إذا علم به فاستعد له قالوا : ولم يعرف لنذر بمعنى علم مصدر فهو كعسى وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها وقيل : إنهم استغنوا بأن والفعل عن صريح المصدر وفي القاموس نذر بالشيء كفرح علمه فحذره وأنذره بالأمر إنذارا ونذرا ونذيرا أعلمه وحذره .

وقرأ مجاهد وحميد بتاء مضمومة وكسر الذال ( وليعلموا ) بالنظر والتأمل بما فيه من الدلائل الواضحة التي هي إهلاك الأمم وإسكان آخرين مساكنهم وغيرهما مما تضمنه ما أشار إليه أنما هو إله واحد لا شريك له أصلا وتقديم الإنذار لأنه داع إلى التأمل المستتبع للعلم المذكور وليذكر أولو الألباب . (52) أي ليتذكروا شؤون الله تعالى ومعاملته مع عباده ونحو ذلك فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التي يتصف بها الكفار ويتدرعوا بما يحظيهم لديه عز وجل من العقائد الحقة والأعمال الصالحة وفي تخصيص التذكر بأولي الألباب إعلاء لشأنهم .

وفي إرشاد العقل السليم أن في ذلك تلويحا باختصاص العلم بالكفار ودلالة على أن المشار إليه بهذا القوارع المسوقة لشأنهم لا كل السورة المشتملة عليها وعلى ما سيق للمؤمنين أيضا فإن فيه ما يفيدهم فائدة جديدة وللبحث فيه مجال وفيه أيضا أنه حيث كان ما يفيده البلاغ من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة أمرا حادثا وبالنسبة إلى أولي الألباب الثبات على ذلك عبر عن الأول بالعلم وعن الثاني بالتذكر وروعي ترتيب الوجود مع ما [ ص: 259 ] فيه من الختم بالحسنى .

وذكر القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب : تكميل الرسل عليهم السلام للناس المشار إليه بالإنذار واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها ما يتعلق بمعرفة الله تعالى المشار إليه بالعلم واستصلاح القوة العملية التي هي التدرع بلباس التقوى المشار إليه بالتذكر والظاهر أن المراد بأولي الألباب أصحاب العقول الخالصة من شوائب الوهم مطلقا ولا يقدح في ذلك ما قيل : إن الآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه وقد ناسب مختتم هذه السورة مفتتحها وكثيرا ما جاء ذلك في سور القرآن حتى زعم بعضهم أن قوله تعالى : ولينذروا به معطوف على قوله سبحانه : لتخرج الناس وهو من البعد بمكان نسأله سبحانه عز وجل أن يمن علينا بشآبيب العفو والغفران .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث