الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


النظر الثالث في موجب الأمر ، ومقتضاه

موجب الأمر ، ومقتضاه بالإضافة إلى الفور ، والتراخي ، والتكرار ، وغيره

ولا يتعلق هذا النظر بصيغة مخصوصة بل يجري في قوله " افعل " كان للندب أو للوجوب ، وفي قوله " أمرتكم " " وأنتم مأمورون " ، وفي كل دليل يدل على الأمر بالشيء إشارة كانت أو لفظا أو قرينة أخرى . لكنا نتكلم في مقتضى قوله " افعل " ليقاس عليه غيره ، ونرسم فيه مسائل :

مسألة : قوله : " صم "

كما أنه في نفسه يتردد بين الوجوب ، والندب فهو بالإضافة إلى الزمان يتردد بين الفور ، والتراخي ، وبالإضافة إلى المقدار يتردد بين المرة الواحدة ، واستغراق [ ص: 212 ] العمر ، وقد قال قوم : هو للمرة ، ويحتمل التكرار ، وقال قوم : هو للتكرار ، والمختار أن المرة الواحدة معلومة ، وحصول براءة الذمة بمجردها مختلف فيه ، واللفظ بوضعه ليس فيه دلالة على نفي الزيادة ، ولا على إثباتها .

، وقياس مذهب الواقفية التوقف فيه لتردد اللفظ كتردده بين الوجوب ، والندب ، لكني أقول : ليس هذا ترددا في نفس اللفظ على نحو تردد اللفظ المشترك ، بل اللفظ خال عن التعرض لكمية المأمور به ، لكن يحتمل الإتمام ببيان الكمية كما أنه يحتمل أن نتمم بسبع مرات أو خمس ، وليس في نفس اللفظ تعرض للعدد ، ولا هو موضوع لآحاد الأعداد وضع اللفظ المشترك . وكما أن قوله " اقتل " إذا لم يقل : اقتل زيدا أو عمرا فهو دون زيادة كلام ناقص فإتمامه بلفظ دال على تلك الزيادة لا بمعنى البيان . فإن قيل : بين مسألتنا ، وبين القتل فرق ، فإن قوله : " اقتل كلام ناقص لا يمكن امتثاله ، وقوله : " صم كلام تام مفهوم يمكن امتثاله .

قلنا : يحتمل أن يقال : يصير ممتثلا بقتل أي شخص كان بمجرد قوله " اقتل " كما يصير ممتثلا بصوم أي يوم كان إذا قال : " صم يوما " بلا فرق ، ويكون قوله : " اقتل " كقوله : " اقتل شخصا " لأن الشخص القتيل من ضرورة القتل ، وإن لم يذكر ، كما أن اليوم من ضرورة الصوم ، وإن لم يصرح به . فيتحصل من هذا أنه تبرأ ذمته بالمرة الواحدة لأن وجوبها معلوم ، والزيادة لا دليل على وجوبها إذ لم يتعرض اللفظ لها ، فصار كما قبل قوله : " صم " ، وكنا لا نشك في نفي الوجوب بل نقطع بانتفائه ، وقوله : " صم " دال على القطع في يوم واحد فبقي الزائد على ما كان . هذا هو الظاهر من اللفظ المجرد عن الكمية ، ويعتضد هذا باليمين ، فإنه لو قال : " والله لأصومن " لبر بيوم واحد ، ولو قال : " لله علي صوم " لتقصى عن عهدة النذر بيوم واحد ; لأن الزائد لم يتعرض له فإن قيل : فلو فسر التكرار بصوم العمر فقد فسره بمحتمل أو كان ذلك إلحاق زيادة ، كما لو قال : أردت بقولي " اقتل " أي : اقتل زيدا ، وبقولي " صم " أي : صم يوم السبت خاصة فإن هذا تفسير بما لا يحتمله اللفظ ، بل ليس تفسيرا إنما ذكر زيادة لم يذكرها ، ولم يوضع اللفظ المذكور لها بالاشتراك ، ولا بالتجوز ، ولا بالتنصيص . قلنا : هذا فيه نظر ، والأظهر عندنا أنه إن فسره بعدد مخصوص كتسعة أو عشرة فهو إتمام بزيادة ، وليس بتفسير ، إذ اللفظ لا يصلح للدلالة على تكرر ، وعدد .

، وإن أراد استغراق العمر فقد أراد كلية الصوم في حقه ، وكان كلية الصوم شيء فرد إذ له حد واحد ، وحقيقة واحدة فهو واحد بالنوع ، كما أن اليوم الواحد واحد بالعدد ، واللفظ يحتمله ، ويكون ذلك بيانا للمراد لا استئناف زيادة ، ولهذا لو قال : أنت طالق ، ولم يخطر بباله عدد كانت الطلقة الواحدة ضرورة لفظه فيقتصر عليها ، ولو نوى الثلاثة بعد لأنه كلية الطلاق فهو كالواحد بالجنس أو النوع ، ولو نوى طلقتين فالأغوص ما قاله أبو حنيفة ، وهو أنه لا يحتمله ، ووجه مذهب الشافعي قد تكلفناه في كتاب المبادئ ، والغايات . فإن قيل : الزيادة التي هي كالمتممة لا تبعد إرادتها في اللفظ ، فلو قال : طلقت زوجتي ، وله أربع نسوة ، وقال : أردت زينب بنيتي وقع الطلاق من وقت اللفظ ، ولولا احتماله لوقع من وقت التعيين .

قلنا : الفرق أغوص لأن قوله : " زوجتي مشترك بين الأربع يصلح لكل واحدة ، فهو كإرادة إحدى المسميات بالمشترك . أما الطلاق فموضوع لمعنى لا يتعرض للعدد ، والصوم موضوع لمعنى [ ص: 213 ] لا يتعرض للسبعة ، والعشرة ، وليست الأعداد موجودات فيكون اسم الصوم مشتركا بينهما اشتراك اسم الزوجة بين النسوة الزوجات .

شبه المخالفين ثلاثة :

الشبهة الأولى : قولهم : قوله : { فاقتلوا المشركين } يعم قتل كل مشرك ، فقوله : " صم ، وصل " ينبغي أن يعم كل زمان لأن إضافته إلى جميع الأزمان واحد كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص .

قلنا : إن سلمنا صيغة العموم فليس هذا نظيرا له ، بل نظيره أن يقال " صم الأيام ، وصل في الأوقات " أما مجرد قوله : " صم " فلا يتعرض للزمان لا بعموم ، ولا بخصوص ، لكن الزمان من ضرورته كالمكان ، ولا يجب عموم الأماكن بالفعل ، وإن كان نسبة الفعل إلى كل مكان على وتيرة واحدة ، وكذلك الزمان .

الشبهة الثانية : قولهم : إن قوله : " صم " كقوله : " لا تصم " ، وموجب النهي ترك الصوم أبدا ، فليكن موجب الأمر فعل الصوم أبدا ، وتحقيقه أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، فقوله : " قم " وقوله : " لا تقعد واحد ، وقوله : " تحرك " وقوله : " لا تسكن " واحد ، ولو قال " لا تسكن " لزمت الحركة دائما ، فقوله : " تحرك " تضمن قوله : " لا تسكن " .

قلنا : أما قولكم لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فقد أبطلناه في القطب الأول ، وإن سلمنا فعموم النهي الذي هو ضمن بحسب الأمر المتضمن لأنه تابع له ، فلو قال " تحرك مرة واحدة " كان السكون المنهي عنه مقصورا على المرة وقوله : " تحرك " كقوله : " تحرك مرة واحدة " كما سبق تقريره ، وأما قياسهم الأمر على النهي فباطل من خمسة أوجه :

الأول : أن القياس باطل في اللغات لأنها تثبت توقيفا .

الثاني : أنا لا نسلم في النهي لزوم الانتهاء مطلقا بمجرد اللفظ ، بل لو قيل : للصائم " لا تصم " يجوز أن يقول " نهاني عن صوم هذا اليوم أو عن الصوم أبدا ؟ " فيستفسر ، بل التصريح أن يقول : " لا تصم أبدا ، ولا تصم يوما واحدا " فإذا اقتصر على قوله : " لا تصم " فانتهى يوما واحدا جاز أن يقال : قضى حق النهي ، ولا يغنيهم عن هذا الاسترواح إلى المناهي الشرعية ، والعرفية ، وحملها على الدوام ، فإن هذا القائل يقول : عرفت ذلك بأدلة أفادت علما ضروريا بأن الشرع يريد عدم الزنا ، والسرقة ، وسائر الفواحش مطلقا ، وفي كل حال لا بمجرد صيغة النهي .

وهذا كما أنا نوجب الإيمان دائما لا بمجرد قوله : " آمنوا " لكن الأدلة دلت على أن دوام الإيمان مقصود .

الثالث : أنا نفرق ، ولعله الأصح ، فنقول : إن الأمر يدل على أن المأمور ينبغي أن يوجد مطلقا ، والنهي يدل على أنه ينبغي أن لا يوجد مطلقا ، والنفي المطلق يعم ، والوجود المطلق لا يعم ; فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقا ، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقا ; ولذلك إذا قال في اليمين " لأفعلن بر بمرة ، ولو قال " لا أفعل حنث بمرة ، ومن قال " لأصومن " صدق ، وعده بمرة ، ومن قال " لا أصوم " كان كاذبا مهما صام مرة .

الرابع : أنه لو حمل الأمر على التكرار لتعطلت الأشغال كلها ، وحمل النهي على [ ص: 214 ] التكرار لا يفضي إليه إذ يمكن الانتهاء في حال واحدة عن أشياء كثيرة مع الاشتغال بشغل ليس ضد المنهي عنه ، وهذا فاسد لأنه تفسير للغة بما يرجع إلى المشقة ، والتعذر ، ولو قال : " افعل دائما " لم يتغير موجب اللفظ بتعذره ، وإن كان التعذر هو المانع ، فليقتصر على ما يطاق ، ويشق دون ما يتيسر .

الخامس : أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه ، ويجب الكف عن القبيح كله ، والأمر يقتضي الحسن ، ولا يجب الإتيان بالحسن كله ، وهذا أيضا فاسد ، فإن الأمر ، والنهي لا يدلان على الحسن ، والقبح ، فإن الأمر بالقبيح تسميه العرب أمرا فتقول : أمر بالقبيح ، وما كان ينبغي أن يأمر به ، وأما الأمر الشرعي فقد ثبت أنه لا يدل على الحسن ، ولا النهي على القبح ، فإنه لا معنى للحسن ، والقبح بالإضافة إلى ذوات الأشياء بل الحسن ما أمر به ، والقبيح ما نهي عنه ، فيكون الحسن ، والقبح تابعا للأمر ، والنهي لا علة ، ولا متبوعا .

الشبهة الثالثة : أن أوامر الشرع في الصوم ، والصلاة ، والزكاة حملت على التكرار ، فتدل على أنه موضوع له . قلنا : وقد حمل في الحج على الاتحاد فليدلل على أنه موضوع له ، فإن كان ذلك بدليل فكذلك هذا بدليل وقرائن بل بصرائح سوى مجرد الأمر ، وقد أجاب قوم عن هذا بأن القرينة فيه إضافتها إلى أسباب ، وشروط ، وكل ما أضيف إلى شرط ، وتكرر الشرط تكرر الوجوب ، وسنبين ذلك في المسألة الثانية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث