الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه

3003 [ ص: 66 ] باب من استسلف شيئا، فقضى خيرا منه،

وخيركم أحسنكم قضاء

وقال النووي: ( باب جواز اقتراض الحيوان، واستحباب توفيته خيرا مما عليه ) .

وقال في المنتقى: (باب جواز الزيادة عند الوفاء، والنهي عنها قبله ) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص38 ج11 المطبعة المصرية

[عن أبي هريرة، قال: كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، فأغلظ له. فهم به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لصاحب الحق مقالا" فقال لهم: "اشتروا له سنا، فأعطوه إياه". فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا. هو خير من سنه. قال: "فاشتروه فأعطوه إياه. فإن من خيركم -أو خيركم-: أحسنكم قضاء" .]

التالي السابق


(الشرح)

(عن أبي هريرة ) رضي الله عنه؛ (قال: كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق، فأغلظ له. فهم به أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن لصاحب الحق مقالا". )

[ ص: 67 ] فيه: أنه يحتمل من صاحب الدين: الكلام المعتاد، في المطالبة.

وهذا الإغلاظ هنا: محمول على تشدد في المطالبة ونحو ذلك، من غير كلام فيه قدح أو غيره، مما يقتضي الكفر.

ويحتمل: أن القائل الذي له الدين، كان كافرا من اليهود أو غيرهم، والله أعلم.

وفيه: دليل على جواز المطالبة بالدين، إذا حل أجله.

وفيه أيضا: دليل على حسن خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتواضعه، وإنصافه.

وفيه: دليل على جواز قرض الحيوان.

(فقال لهم اشتروا له سنا ) . أي: جملا بسن معين.

(فأعطوه إياه. فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا هو خير من سنه. قال: "فاشتروا له فأعطوه إياه. فإن من خيركم - أو خيركم - أحسنكم قضاء". )

وفي لفظ آخر: "إن خيار الناس، أحسنهم قضاء".

وفي رواية أخرى: "خياركم محاسنكم قضاء" ) .

وفيه: جواز رد ما هو أفضل من المثل المقترض، إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد. وبه قال الجمهور.

[ ص: 68 ] والظاهر: أن الزيادة كانت في العدد، لما في البخاري: "كانت قيراطا".

وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد، فتحرم اتفاقا.

ولا يلزم من جواز الزيادة في القضاء على مقدار الدين: جواز الهدية ونحوها قبل القضاء، لأنها منزلة الرشوة، فلا تحل.

قال المحاملي: يستحب للمستقرض أن يرد أجود مما أخذ، لهذا الحديث. انتهى.

قلت: وهذا من السنة، ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة. فإنه منهي عنه.

وأما إذا قضى المقترض المقرض ، دون حقه، وحلله من البقية: كان ذلك جائزا.

[ ص: 69 ] قال النووي: وفي هذا الحديث: جواز الاقتراض، والاستدانة. وإنما اقترض النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحاجة. وكان يستعيذ بالله من المغرم "وهو الدين".

وفي جواز اقتراض الحيوان: ثلاثة مذاهب؛

مذهب الشافعي، ومالك، وجماهير العلماء؛ من السلف والخلف: أنه يجوز، إلا الجارية لمن يملك وطأها، فإنه لا يجوز. ويجوز لمن لا يملك؛ كالمرأة، والخنثى، ومحارمها.

الثاني: مذهب المزني، وابن جرير، وداود: أنه يجوز قرض الجارية، وسائر الحيوان، لكل واحد.

الثالث: مذهب أبي حنيفة والكوفيين: أنه لا يجوز قرض شيء من الحيوان. وهذه الأحاديث ترد عليهم. ولا تقبل دعواهم النسخ؛ بغير دليل.

قال: وفيه: جواز السلم في الحيوان. وحكمه: حكم القرض.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث