الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب منه

157 [ ص: 71 ] باب منه

وقال النووي: "في الجزء الأول في كتاب الإيمان": (باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف. وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم. ولهم عذاب أليم ) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص110 ج2 المطبعة المصرية

[ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - وهذا حديث أبي بكر - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة، يمنعه من ابن السبيل. ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله: لأخذها بكذا وكذا. فصدقه، وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما، لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف" .]

[ ص: 72 ]

التالي السابق


[ ص: 72 ] (الشرح)

(عن أبي هريرة ) رضي الله عنه؛ (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاثة ) .

ووقع في معظم الأصول: "ثلاث بحذف الهاء، وهو صحيح، على معنى: ثلاث أنفس.

وجاء الضمير: في (لا يكلمهم الله ) مذكرا، على المعنى.

(يوم القيامة ) .

قال النووي: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يكلمهم.. إلخ"، على لفظ الآية الكريمة.

قيل: المعنى: لا يكلمهم بكلام أهل الخيرات، بإظهار الرضى. بل بكلام أهل السخط والغضب.

وقيل: المراد: الإعراض عنهم.

وقال جمهور المفسرين: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم.

وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. انتهى.

[ ص: 73 ] قلت: ولكن هذا التأويل لا يرضاه القلب.

(ولا ينظر إليهم ) معناه: يعرض عنهم. ونظره "سبحانه وتعالى" لعباده: رحمة ولطف بهم.

(ولا يزكيهم ) . أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم.

وقال الزجاج وغيره: لا يثني عليهم.

(ولهم عذاب أليم ) . أي: مؤلم. قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه. قال: والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه. وأصله في كلام العرب: من "العذاب". وهو المنع. وسمي الماء "عذبا"، لأنه يمنع العطش.

(رجل على فضل ماء بالفلاة، يمنعه من ابن السبيل ) .

"الفلاة" بفتح الفاء. هي المفازة والقفر، التي لا أنيس بها.

ولا شك في غلظ تحريم هذا المنع، من المسافر المحتاج إليه، وشدة قبحه، فإنه إذا كان من يمنع فضل الماء "الماشية" عاصيا، فكيف بمن يمنعه الآدمي المحترم ؟ فإن الكلام فيه. فلو كان ابن السبيل غير محترم؛ كالحربي والمرتد: لم يجب بذل الماء له.

[ ص: 74 ] (ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله: لأخذها بكذا وكذا. فصدقه، وهو على غير ذلك ) .

خص ما بعد العصر: لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار، وغير ذلك. فالحالف كاذبا بعده، مستحق لهذا الوعيد الشديد.

(ورجل بايع إماما، لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفي، وإن لم يعطه منها، لم يف ) . وإنما استحق هذا الوعيد؛ لغشه المسلمين وإمامهم، وتسببه إلى الفتن بينهم بنكثه بيعته. لا سيما إن كان ممن يقتدى به. والله أعلم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث