الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 77 ] سورة لقمان

قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث

فأما تحريم الغناء: فقد استنبط من القرآن من آيات متعددة . فمن ذلك: قول الله عز وجل: ومن الناس من يشتري لهو الحديث الآية .

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: هو - والله - الغناء . وقال ابن عباس : هو الغناء وأشباهه، وفسره أيضا بالغناء خلق من التابعين منهم: مجاهد وعكرمة والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي وغيرهم، وقال مجاهد في قوله تعالى: واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال: الغناء والمزامير . وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: وأنتم سامدون قال: هو الغناء - بالحميرية .

وقال بعض التابعين في قوله تعالى: وإذا مروا باللغو مروا كراما قال: إن اللغو هنا: الغناء . وعن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: ومن الناس من يشتري لهو الحديث الآية" . [ ص: 78 ] خرجه الإمام أحمد والترمذي من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ، وقال: قد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي . وذكر في كتاب "العلل " أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: علي بن يزيد ذاهب الحديث، ووثق عبيد الله بن زحر والقاسم بن عبد الرحمن ، وخرجه محمد بن يحيى الهمذاني الحافظ الفقيه الشافعي في "صحيحه "، وقال: عبيد الله بن زحر: قال أبو زرعة : لا بأس به صدوق .

قلت: علي بن يزيد لم يتفقوا على ضعفه . بل قال فيه أبو مسهر - وهو من بلده وهو أعلم بأهل بلده من غيرهم - قال فيه: ما أعلم فيه إلا خيرا . وقال ابن عدي : هو في نفسه صالح، إلا أن يروي عنه ضعيف فيؤتى من قبل ذلك الضعيف . وهذا الحديث قد رواه عنه غير واحد من الثقات . وقد خرج الإمام أحمد من رواية فرج بن فضالة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والبرابط والمعازف والأوثان ": وذكر بقية الحديث، وفي آخره: "ولا يحل بيعهن، ولا شراؤهن، ولا تعليمهن، ولا تجارة فيهن، وثمنهن حرام" . يعني: الضاربات . وفرج بن فضالة مختلف فيه أيضا . ووثقه الإمام أحمد وغيره . وخرج الإسماعيلي وغيره، من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثمن المغنية حرام، وغناؤها حرام " . وإسناده كلهم ثقات متفق عليهم، سوى يزيد بن عبد الملك النوفلي . فإنه مختلف في أمره . وخرج حديثه هذا محمد بن يحيى الهمذاني في صحيحه وقال: في النفس من يزيد بن [ ص: 79 ] عبد الملك . مع أن ابن معين قال: ما كان به بأس . وبوب الهمذاني هذا في "صحيحه " على: تحريم بيع المغنيات وشرائهن . وهو من أصحاب ابن خزيمة وكان عالما بأنواع العلوم . وهو أول من أظهر مذهب الشافعي بهمذان واجتهد في ذلك بماله ونفسه . وكان وفاته سنة سبع وأربعين وثلاثمائة - رحمه الله تعالى - . وخرج في باب تحريم ثمن المغنية من رواية أبي نعيم الحلبي عن ابن المبارك عن مالك عن ابن المنكدر عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قعد إلى قينة يستمع منها، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" .

وقال: أبو نعيم الحلبي اسمه عبيد بن هشام .

قلت: قد وثقه أبو داود وقال: إنه تغير بأخرة . وقد أنكر عليه أحاديث تفرد بها، منها هذا الحديث . وفي النهي عن بيع المغنيات أحاديث أخر عن علي وعائشة - رضي الله عنهما - وغيرهما، وفي أسانيدها مقال .

وروى عامر بن سعد البجلي قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، فإذا جواري يتغنين، فقلت: أنتم أصحاب محمد وأهل بدر، ويفعل هذا عندكم؟! قال: اجلس إن شئت واسمع، وإن شئت فاذهب; فإنه قد رخص لنا في اللهو عند العرس . خرجه النسائي والحاكم وقال: صحيح على شرطهما .

والرخصة في اللهو عند العرس تدل على النهي عنه في غير العرس، ويدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة - رضي الله عنها - المتفق عليه في "الصحيحين: " لما دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان وتدفان . فانتهرهما أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، [ ص: 80 ] وقال: مزمور الشيطان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعهما، فإنها أيام عيد" . فلم ينكر قول أبي بكر - رضي الله عنه - .

وإنما علل الرخصة بكونه في يوم عيد; فدل على أنه يباح في أيام السرور: كأيام العيد، وأيام الأفراح: كالأعراس وقدوم الغياب، ما لا يباح في غيرها من اللهو . وإنما كانت دفوفهم نحو الغرابيل وغناؤهم بإنشاد أشعار الجاهلية في أيام حروبهم وما أشبه ذلك .

فمن قاس على ذلك سماع أشعار الغزل مع الدفوف المصلصلة، فقد أخطأ غاية الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل .

وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: " الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل " . وقد روي عنه مرفوعا . خرجه أبو داود في بعض نسخ السنن . وخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي وغيرهما . وفي إسناد المرفوع من لا يعرف، والموقوف أشبه .

وأما تحريم آلات الملاهي: فقد تقدم عن مجاهد أنه أدخلها في صوت الشيطان المذكور في قول الله تعالى: واستفزز من استطعت منهم بصوتك

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث