الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أدلة التعبد بالقياس

أما الكتاب فقوله تعالى : فاعتبروا ياأولي الأبصار .

ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الاعتبار مشتق من العبور ، وهو المرور ، يقال : عبرت على النهر ، ( وعبرت النهر ) والمعبر : الموضع الذي يعبر عليه ، والمعبر : السفينة التي يعبر فيها ، كأنها أداة العبور ، والعبرة : الدمعة التي عبرت من الجفن ، وعبر الرؤيا : جاوزها إلى ما يلازمها ، قالوا : فثبت بهذه الاستعمالات أن الاعتبار حقيقة في المجاوزة; فوجب أن لا يكون حقيقة في غيرها دفعا للاشتراك ، والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع ، فكان داخلا تحت الأمر .

قال في المحصول : فإن قيل : لا نسلم أن الاعتبار هو المجاوزة ( فقط ) ، بل هو عبارة عن الاتعاظ لوجوه :

( الأول ) : أنه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي : إنه معتبر .

( الثاني ) : أن المتقدم في إثبات الحكم من طريق القياس إذا لم يتفكر في أمر معاده يقال : إنه غير معتبر ، أو قليل الاعتبار .

( الثالث ) : قوله تعالى : إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وإن لكم في الأنعام لعبرة والمراد الاتعاظ .

[ ص: 586 ] ( الرابع ) : يقال السعيد من اعتبر بغيره ، والأصل في الكلام الحقيقة ، فهذه الأدلة تدل على أن الاعتبار حقيقة في الاتعاظ ، لا في المجاوزة ، فحصل التعارض بين ما قلتم ، وما قلنا ، فعليكم بالترجيح ، ثم الترجيح معنا ، فإن الفهم أسبق إلى ما ذكرناه .

سلمنا أن ما ذكرتموه حقيقة ، لكن شرط حمل اللفظ على الحقيقة أن لا يكون هناك ما يمنع ، وقد وجد ها هنا مانع ؛ فإنه لو قال : " يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين " فقيسوا الذرة على البر; كان ذلك ركيكا ، لا يليق بالشرع ، وإذا كان كذلك; ثبت أنه وجد ما يمنع من حمل اللفظ على حقيقة .

سلمنا أنه لا مانع من حمله على المجاوزة ، لكن لا نسلم أن الأمر بالمجاوزة أمر بالقياس الشرعي .

بيانه أن كل من تمسك بدليل على مدلوله; فقد عبر من الدليل إلى المدلول ، فسمي الاعتبار مشترك فيه بين الاستدلال بالدليل العقلي القاطع ، وبالنص ، وبالبراءة الأصلية ، وبالقياس من الشرع ، وكل واحد من هذه الأنواع يخالفه الآخر بخصوصيته ، وما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز ، لا بلفظه ، ولا بمعناه ، فلا يكون دالا على النوع ، الذي ليس إلا عبارة من مجموع جهة الاشتراك ( وجهه الامتياز ، فلفظ الاعتبار غير دال على القياس الشرعي ، لا بلفظه ولا بمعناه ) .

قال : وأيضا فنحن نوجب اعتبارات أخر :

( الأول ) : إذا نص الشارع على علة الحكم ، فها هنا القياس عندنا واجب .

( والثاني ) : قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف .

( والثالث ) : الأقيسة في الأمور الدنيا ، فإن العمل بها عندنا واجب .

( والرابع ) : أن يشبه الفرع بالأصل ، في أن لا نستفيد حكمه إلا من النص .

( والخامس ) : الاتعاظ والانزجار ، بالقصص والأمثال ، فثبت بما تقدم أن الآتي بفرد من أفراد ما يسمى اعتبارا ، يكون خارجا عن عهدة هذا الأمر ، وثبت أن بيانه في صور كثيرة ، فلا يبقى فيه دلالة ألبتة على الأمر بالقياس الشرعي .

ثم قال : جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجهين :

[ ص: 587 ] ( الأول ) : أنه يقال : فلان ( اتعظ فاعتبر ) فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار ، وذلك يوجب التغاير .

( الثاني ) : أن معنى المجاوزة حاصل في الاتعاظ ، فإن الإنسان ما لم يستدل بشيء آخر على حال نفسه ، لا يكون متعظا ، ثم أطال في تقرير هذا بما لا طائل تحته .

ويجاب عن الوجه الأول : بالمعارضة ، فإنه يقال : فلان قاس هذا على هذا ، فاعتبر ، والجواب الجواب .

ويجاب عن الثاني : بمنع وجود معنى المجاوزة في الاتعاظ ، فإن من نظر في شيء من المخلوقات ، فاتعظ به; لا يقال فيه : إنه متصف بالمجاوزة ، لا لغة ، ولا شرعا ، ولا عقلا .

وأيضا يمنع وجود المجاوزة في القياس الشرعي ، وليس ما يفيد ذلك ألبتة ، ولو كان القياس مأمورا به في هذه الآية لكونه فيه معنى الاعتبار; لكان كل اعتبار أو عبور مأمورا به ، واللازم باطل ، والملزوم مثله .

وبيانه أنه لم يقل أحد من المتشرعين ، ولا من العقلاء : أنه يجب على الإنسان أن يعبر من هذا المكان إلى هذا المكان ، أو يجري دمع عينه ، أو يعبر رؤيا الرائي ، مع أن هذه الأمور أدخل في معنى العبور والاعتبار من القياس الشرعي .

والحاصل أن هذه الآية لا تدل على القياس الشرعي ، لا بمطابقة ، ولا تضمن ، ولا التزام ، ومن أطال الكلام في الاستدلال بها على ذلك; فقد شغل الحيز بما لا طائل تحته .

واستدل الشافعي في الرسالة على إثبات القياس بقوله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم .

قال : فهذا تمثيل الشيء بعدله .

وقال تعالى : يحكم به ذوا عدل منكم .

وأوجب " المثل " ، ولم يقل أي مثل ، فوكل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا .

وأمر بالتوجه إلى القبلة بالاستدلال ، وقال : " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " انتهى .

[ ص: 588 ] ولا يخفاك أن غاية ما في آية الجزاء هو المجيء بمثل ذلك الصيد ، وكونه مثلا له موكول إلى العدلين ، ومفوض إلى اجتهادهما ، وليس في هذا دليل على القياس ، الذي هو إلحاق فرع بأصل; لعلة جامعة ، وكذلك الأمر بالتوجه إلى القبلة; فليس فيه إلا إيجاب تحري الصواب في أمرها ، وليس ذلك من القياس في شيء .

واستدل ابن سريج على إثبات القياس بقوله تعالى : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فأولو الأمر هم العلماء ، والاستنباط هو القياس .

ويجاب عنه : بأن الاستنباط هو استخراج الدليل عن المدلول ، بالنظر فيما يفيده من العموم أو الخصوص ، أو الإطلاق أو التقييد ، أو الإجمال أو التبيين في نفس النصوص ، أو نحو ذلك مما يكون طريقا إلى استخراج الدليل منه .

ولو سلمنا اندراج القياس تحت مسمى الاستنباط; لكان ذلك مخصوصا ( بمثل القياس ) المنصوص على علته ، وقياس الفحوى ونحوه ، لا بما كان ملحقا بمسلك من مسالك العلة ، التي هي محض رأي ، لم يدل عليها دليل من الشرع ، فإن ذلك ليس من الاستنباط من الشرع بما أذن الله به ، بل من الاستنباط بما لم يأذن الله به .

واستدل أيضا بقوله تعالى : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها الآية . قال : لأن القياس تشبيه الشيء بالشيء ، فما جاز من فعل من لا يخفى عليه خافية ، فهو ممن لا يخلو من الجهالة والنقص أجوز ، و ( يجاب به عنه بمنع كون هذا من القياس الشرعي ، ولا مما يدل عليه بوجه من وجوه الدلالة ، ولو سلمنا لجاز لنا أن نقول : على وجه المعارضة : إنما جاز ) ذلك من فعل من لا يخفى عليه خافية; لأنا نعلم أنه صحيح ، فلا يجوز من فعل من لا يخلو من الجهالة والنقص; لأنا لا نقطع بصحته ، بل ولا نظن ذلك ، لما في فاعله من الجهالة والنقص .

[ ص: 589 ] واستدل غيره أيضا بقوله تعالى : قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة .

ويجاب عنه : بمنع كون هذه الآية تدل على المطلوب ، لا بمطابقة ، ولا تضمن ، ولا التزام ، وغاية ما فيها الاستدلال بالأثر اللاحق ، وكون المؤثر فيهما واحدا ، وذلك غير القياس الشرعي ، الذي هو إدراج فرع تحت أصل لعلة جامعة بينهما .

واستدل ابن تيمية على ذلك بقوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وتقريره : أن العدل هو التسوية ، والقياس هو التسوية بين مثلين في الحكم ، فيتناوله عموم الآية .

ويجاب عنه : بمنع كون الآية دليلا على المطلوب بوجه من الوجوه ، ولو سلمنا لكان ذلك في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها; فإنه لا تسوية إلا في الأمور المتوازنة ، ولا توازن إلا عند القطع بنفي الفارق ، لا في الأقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي ، ونوع من أنواع الظنون الزائفة ، وخصلة من خصال الخيالات المختلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث