الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي الآيات .

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : ثم إن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل فقال : فأسر بعبادي ليلا . فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط، وأمر ألا ينادي أحد منهم صاحبه، وأن يسرجوا في بيوتهم حتى الصبح، وألا ينادي إنسان منهم صاحبه، وأن من خرج يلطخ أمام بابه بكف من دم حتى يعلم أنه قد خرج، وإن الله قد أخرج كل ولد زنى [ ص: 246 ] في القبط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل، وأخرج كل ولد زنى في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى أتوا آباءهم . ثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلا والقبط لا يعلمون، وألقي على القبط الموت، فمات كل بكر رجل منهم، فأصبحوا يدفنونهم، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفا، لا يعدون ابن عشرين لصغره، ولا ابن ستين لكبره، وإنما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية . وتبعهم فرعون، على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان، فيها ماذيانة، وذلك حين يقول الله : فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون فكان موسى على ساقة بني إسرائيل، وكان هارون أمامهم يقدمهم، فقال المؤمن لموسى : يا نبي الله، أين أمرت؟ قال : البحر . فأراد أن يقحم فمنعه موسى . فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم قالوا : يا موسى، إنا لمدركون قال موسى : كلا إن معي ربي سيهدين يقول : سيكفيني . فتقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح، وقال : من هذا الجبار الذي يضربني؟ حتى أتاه موسى، فكناه أبا خالد، وضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم يقول : كالجبل العظيم، فدخلت بنو إسرائيل، [ ص: 247 ] وكان في البحر اثنا عشر طريقا، في كل طريق سبط، وكانت الطرق إذا انفلقت بجدران، فقال كل سبط : قد قتل أصحابنا . فلما رأى ذلك موسى دعا الله، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان، ينظر آخرهم إلى أولهم حتى خرجوا جميعا، ثم دنا فرعون وأصحابه، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال : ألا ترون إلى البحر فرق منى فانفتح لي حتى أدرك أعدائي فاقتلهم . فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل على ماذيانة، فشامت الحصن ريح الماذيانة، فاقتحمت في أثرها، حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم، وتفرد جبريل بفرعون بمقلة من مقل البحر، فجعل يدسها في فيه .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله : إن هؤلاء لشرذمة قليلون قال : ذكر لنا أن بني إسرائيل الذين قطع بهم موسى البحر كانوا ستمائة ألف [ ص: 248 ] مقاتل بني عشرين سنة فصاعدا، وأتبعهم فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان .

وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود في قوله : إن هؤلاء لشرذمة قليلون قال : ستمائة ألف وسبعون ألفا .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، عن أبي عبيدة، مثله .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إن هؤلاء لشرذمة قليلون قال : كانوا ستمائة ألف .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : لشرذمة قال : قطعة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة : لشرذمة قال : الفريد من الناس .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كان أصحاب موسى الذين جاوزوا البحر اثني عشر سبطا، فكان في كل طريق اثنا عشر ألفا، كلهم ولد يعقوب عليه السلام» .

وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، عن مجاهد : إن هؤلاء لشرذمة قليلون [ ص: 249 ] قال : هم يومئذ ستمائة ألف، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون .

وأخرج ابن مردويه ، بسند واه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كان فرعون عدو الله حيث أغرقه الله هو وأصحابه في سبعين قائدا، مع كل قائد سبعون ألفا، وكان موسى مع سبعين ألفا حين عبروا البحر» .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن جريج قال : أوحى الله إلى موسى أن اجمع بني إسرائيل، كل أربعة أبيات من بني إسرائيل في بيت، ثم اذبح أولاد الضأن فاضرب بدمائها على كل باب، فإني سآمر الملائكة ألا تدخل بيتا على بابه دم، وسآمر الملائكة فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأهليهم، ثم اخبزوا خبزا فطيرا، فإنه أسرع لكم، ثم سر حتى تأتي البحر، ثم قف حتى يأتيك أمري . فلما أن أصبح فرعون قال : هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأهلينا .

وأخرج ابن إسحاق ، وابن المنذر ، عن يحيى بن عروة بن الزبير قال : إن الله أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل، وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع القمر، فدعا الله أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ، فلما سار موسى ببني [ ص: 250 ] إسرائيل، أذن فرعون في الناس : إن هؤلاء لشرذمة قليلون .

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال : خرج موسى من مصر ومعه ستمائة ألف من بني إسرائيل، لا يعدون فيهم أقل من ابن عشرين ولا ابن أكثر من أربعين سنة، فقال : إن هؤلاء لشرذمة قليلون وخرج فرعون على فرس حصان أدهم ومعه ثمانمائة ألف على خيل دهم سوى ألوان الخيل، وكان جبريل عليه السلام على فرس أنثى يسير بين يدي القوم ويقول : ليس القوم بأحق بالطريق منكم . وفرعون على فرس أدهم حصان، وجبريل على فرس أنثى، فأتبعها فرس فرعون، وكان ميكائيل في آخر القوم يقول : الحقوا، الحقوا أصحابكم . حتى دخل آخرهم، وأراد أولهم أن يخرج، فأطبق عليهم البحر .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عمرو بن ميمون قال : لما أراد موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر بلغ ذلك فرعون فقال : أمهلوهم حتى إذا صاح الديك فأتوهم . فلم يصح في تلك الليلة ديك، فخرج موسى ببني إسرائيل، وغدا فرعون، فلما أصبح فرعون أمر بشاة، فأتي بها، فأمر بها أن تذبح، ثم قال : لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمسمائة ألف فارس . فاجتمعوا إليه، [ ص: 251 ] فأتبعهم، فلما انتهى موسى إلى البحر قال له وصيه : يا نبي الله، أين أمرت؟ قال : ههنا في البحر .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان طلائع فرعون الذين بعثهم في أثرهم ستمائة ألف، ليس فيهم أحد إلا على بهيم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانت سيما خيل فرعون الخرق البيض في أصداغها، وكانت جريدته مائة ألف حصان .

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال : اجتمع آل يعقوب إلى يوسف، وهم ستة وثمانون إنسانا، ذكرهم وأنثاهم، فخرج بهم موسى يوم خرج وهم ستمائة ألف ونيف، وخرج فرعون على أثرهم يطلبهم على فرس أدهم، على لونه من الدهم ثمانمائة ألف أدهم سوى ألوان الخيل، وجالت الريح الشمال، وتحت جبريل فرس وديق، وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم شاذة إلا ضمه، فقال القوم : يا رسول الله، قد كنا نلقى من التعس والعذاب ما [ ص: 252 ] نلقى، فكيف إذ صنعنا ما صنعنا، فأين الملجأ؟ قال : البحر .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ، أنه قرأ : وإنا لجميع حاذرون قال : مؤدون مقوون .

وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن الأسود بن يزيد، أنه كان يقرؤها : وإنا لجميع حاذرون قال : مؤدون مقوون .

وأخرج عبد بن حميد ، عن الأسود، أنه كان يقرأ : وإنا لجميع حاذرون يقول : وادون مستعدون .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن [ ص: 253 ] جبير، أنه كان يقرأ : وإنا لجميع حاذرون يقول : مؤدون في السلاح .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عمرو بن دينار قال : قرأ عبيد : وإنا لجميع حاذرون .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن الضحاك : وإنا لجميع حاذرون يعني شاكين في السلاح .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود : وإنا لجميع حاذرون قال : مؤدون مقوون في السلاح والكراع .

وأخرج عبد بن حميد ، عن إبراهيم، أنه كان يقرؤها : وإنا لجميع حاذرون .

وأخرج ابن الأنباري في "الوقف"، عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : وإنا لجميع حاذرون ما الحاذرون؟ قال : التامون السلاح . قال فيه النجاشي :

لعمر أبي أثال حيث أمسى لقد نادت به أبناء بكر [ ص: 254 ]     حنيفة في كتائب حاذرات
يقودهم أبو شبل هزبر



وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة : فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم قال : كانوا في ذلك في الدنيا، فأخرجهم الله من ذلك وأورثها بني إسرائيل .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : ومقام كريم قال : المنابر .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : فأتبعوهم مشرقين قال : أتبعهم فرعون وجنوده حين أشرقت الشمس، قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال موسى، وكان أعلمهم بالله : كلا إن معي ربي سيهدين .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم ، أنه قرأ : فأتبعوهم مشرقين مهموزة مقطوعة الألف .

وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد : فأتبعوهم مشرقين قال : خرج موسى ليلا [ ص: 255 ] فكسف القمر ليلا، وأظلمت الأرض، فقال أصحابه : إن يوسف كان أخبرنا أنا سننجى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا، فخرج موسى من ليلته يسأل عن قبره، فوجد عجوزا بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، فكان حكمها أن قالت له : احملني فأخرجني معك . فجعل عظام يوسف في كسائه، ثم حمل العجوز على كسائه، فجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضرا في أعينهم ولا تبرح؛ حبست عن موسى وأصحابه حتى برزوا .

وأخرج ابن أبي حاتم عن خليد بن عبد الله العصري، أن مؤمن آل فرعون كان أمام القوم قال : يا نبي الله، أين أمرت؟ قال : أمامك . قال : وهل أمامي إلا البحر؟ قال : والله ما كذبت ولا كذبت . ثم سار ساعة فقال مثل ذلك، فرد عليه موسى مثل ذلك، قال موسى، وكان أعلم القوم بالله : [ ص: 256 ] كلا إن معي ربي سيهدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث