الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


3075 كتاب

الوصايا، والصدقة، والنحل، والعمرى

"الوصايا": جمع وصية، كالهدايا جمع هدية. قاله في الفتح.

وقال الأزهري: هي مشتقة من وصيت الشيء بالشيء أصيه، من باب "وعد": إذا وصلته.

وسميت "وصية"؛ لأنه وصل ما كان في حياته بما بعده.

ويقال: وصى توصية. وأوصى إيصاء. والاسم: "الوصية، والوصاة" انتهى.

وهي في الشرع: عهد خاص، مضاف إلى ما بعد الموت. وتطلق على فعل الموصي، وعلى ما يوصي به من مال أو غيره، من عهد ونحوه. فتكون بمعنى "المصدر" وهو الإيصاء. وتكون بمعنى "المفعول" وهو الاسم.

قال في النيل: وتطلق، شرعا أيضا: على ما يقع به الزجر عن المنهيات، والحث على المأمورات. انتهى.

[ ص: 133 ] ولنا: "كتاب المقالة الفصيحة، في الوصية والنصيحة".

والصدقة: واحدة الصدقات. والنحل: العطاء. والعمرى: قول الرجل: "أعمرتك هذه الدار مثلا، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو حييت، أو بقيت، أو ما يفيد هذا المعنى".

باب الحث على الوصية، لمن له ما يوصي فيه

وهو في النووي في: (كتاب الوصية ) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص75 ج11 المطبعة المصرية

[عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه: يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة" .

قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي ليلة، منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، إلا وعندي وصيتي.]

[ ص: 134 ]

التالي السابق


[ ص: 134 ] (الشرح)

(عن ابن عمر ) رضي الله عنهما: (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ) وآله (وسلم قال: ما حق امرئ مسلم ) ؛

"ما" نافية، بمعنى: "ليس". والخبر: ما بعد إلا. وخرج قوله: "مسلم"، مخرج الغالب، فلا مفهوم له. أو ذكر للتهييج". لتقع المبادرة إلى الامتثال، لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك. ووصية الكافر جائزة في الجملة. وحكى ابن المنذر فيه: الإجماع.

(له شيء يوصي فيه ) وفي رواية: " له شيء، يريد أن يوصي فيه ". وفي أخرى: "له مال يريد أن يوصي فيه".

(يبيت ) صفة لمسلم، كما جزم به الطيبي.

(ثلاث ليال ) . وفي رواية: "ليلة، أو ليلتين". قال الحافظ:

وكأن ذكر ذلك: لرفع الحرج، لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر، ليتذكر ما يحتاج إليه.

واختلاف الروايات فيه: دال على أنه للتقريب، لا للتحديد.

[ ص: 135 ] والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا، (إلا ووصيته عنده مكتوبة ) .

استدل بهذا: على جواز الاعتماد على الكتابة والخط، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة.

قال القرطبي: ذكر الكتابة، مبالغة في زيادة التوثق. وإلا فالوصية المشهود بها: متفق عليها، ولو لم تكن مكتوبة. انتهى.

وفيه: إشارة أيضا، إلى اغتفار الزمن اليسير. وكأن الثلاث غاية التأخير. ولذلك (قال عبد الله بن عمر: ما مرت علي ليلة، منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك، إلا وعندي وصيتي ) .

قال النووي: في هذا الحديث: الحث على الوصية. وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن مذهبنا ومذهب الجمهور: أنها مندوبة لا واجبة. وقال داود، وغيره من أهل الظاهر: هي واجبة، لهذا الحديث. ولا دلالة لهم فيه. فليس فيه تصريح بإيجابها. لكن إن كان على الإنسان دين، أو حق، أو عنده وديعة ونحوها: لزمه الإيصاء بذلك. انتهى.

[ ص: 136 ] قلت: وليس في هذا الحديث هذا التفصيل أيضا. بل فيه: "له شيء يوصي فيه". وهو عام من هذا وذاك.

قال أهل العلم: لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة، ولا ما جرت العادة: بالخروج منه والوفاء به عن قرب. وقد قال جماعة من السلف بوجوبها. ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب: إلى الإجماع. قال في النيل: وهو مجازفة. وأجاب من قال بعدم الوجوب: بأن قوله: "ما حق": للحزم والاحتياط، لأنه قد يفجؤه الموت، وهو على غير وصية. وقيل الحق لغة: الشيء الثابت. ويطلق شرعا: على ما يثبت به الحكم، وهو أعم من أن يكون واجبا، أو مندوبا. وقد يطلق على المباح قليلا، قاله القرطبي. وأيضا تفويض الأمر إلى إرادة الموصي: يدل على عدم الوجوب، ولكنه يبقى الإشكال في الرواية الأخرى بلفظ: "لا يحل لامرئ ميم". وحملوه على الرواية بالمعنى.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث